أبي طالب المكي

48

علم القلوب

أن ينظر إلى حكيم هذه الأمة ، فلينظر إلى أبي هريرة ، وعبد اللّه بن عباس فارس القرآن . . . » ، وذكر الحديث ، فانظر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم كيف ميز أصحابه في مراتب الفضل ، وكلهم فاضل عالم . وفي الأثر أن رجلا قام إلى ابن عباس ، فقال : أي رجل كان علي بن أبي طالب ؟ قال : ملىء جوفه حكمة وعلما وقرابة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبأسا ونجدة ، فظن ألا يمد يده إلى شئ إلا ناله ، فما مد يده [ إلى شئ ] فناله « 1 » ، ففرق ابن عباس بين الحكمة والعلم ، ليدلك على أن لكل واحد منهم حكما . وفي إنجيل عيسى ، عليه السلام : يقول اللّه عز وجل ثناؤه : بحق أقول لكم ، ليس في كل الزقاقى يصلح العسل ، وكذلك ليس في كل القلوب تسكن الحكمة ، إن الزقاق تطهر العسل وتحفظه ما لم تتحزق أو تقحل « 2 » ، وكذلك القلوب تصلح للحكمة ما لم تخرقها الشهوات ، ويقحلها الطمع ، ويدنسها الشح . وقال يحيى بن معاذ : [ يخرج ] العارف من الدنيا ولم يقض وطره من أربعة أشياء : استماع الحكمة ، والفرح باللّه ، والتلذذ بقراءة القرآن ، والاستشفاء من البكاء . وقال يحيى : يعطى العلم بالتعليم ، وتعطى الحكمة بحفظ حرمات المشايخ « 3 » ، وفيما أوحى اللّه تعالى إلى المحزون في بلائه : يا داود ، الأمر من صار كريم ، اصبر فإنما هي أيام قلائل ، حرام على كل قلب يحب الدنيا أن يذوق طعم الحكمة . وقال الشبلي : العلم فضة ، والحكمة ذهب ، والمعرفة جوهر . وقال بعض السلف : العالم هو الذي يجيب إذا سئل ، والحكيم يعتذر في ترك الجواب إذا سئل ، والقاص هو المتكلف يتكلم قبل السؤال ، ويهذى وينطق بالمحال . وقال ابن عباس : من علم علما فليقل به ، ومن لا فليسكت ، وإلا كتب من

--> ( 1 ) التغير مضطرب في الأصل ، والمراد أنه لم يمد يده إلى شئ من أمور الدنيا إلا حفظه اللّه منه . ( 2 ) قحل الشئ يقحل قحولا يبس فهو قاحل ، والمتقحل الرجل اليابس الجلد السىء الحال . ( 3 ) لا دليل أوضح على صحة هذا الرأي من قوله تعالى : لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [ الحجرات : 2 ] ، فمجرد رفع الصوت والنداء بما ينادى الناس به بعضهم بعضا يحبط الأعمال ، والعلماء ورثة الأنبياء ، والأنبياء لا يورثون في مال ، بل يورثون في حالهم ، والمراد بالعلماء من خالطت الخشية قلوبهم ، إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] .