أبي طالب المكي

127

علم القلوب

وسئل الجنيد عن العارفين ، فقال : ذهب واللّه وصف الواصفين . وقال منصور بن عمار : الناس رجلان ، عارف بنفسه ، فشغله في المجاهدة والرياضة ، وعارف بربه ، فشغله بحفظ حرمته وطلب رضاه . وسئل الجنيد : من العارف ؟ قال : من نطق عن سرك وأنت ساكت ، وأخبر بحالك وأنت غائب ، وهذا لا ينكره أهل المعرفة ؛ لأن موسى بن عمران لما التقى مع الخضر ، فرأى منه تلك العجائب ، قال : يا نبي اللّه ، بماذا أطلعك اللّه على ما في قلوب الخلق ، وأعطاك الحياة فلا تموت إلا إذا أردت ذلك ؟ قال : بتركى الذنوب ، فهذا يطرد عن قلب المنكر الإنكار ، ويبعده من مقام الإصرار . وقال أبو بكر الوراق : من صحت معرفته باللّه ، ظهرت عليه الهيبة والخشية . وهذا مثل ما حكى عن الحسن البصري أنه مر بصبيان يلعبون في السكة ، فلما رأوه تنحوا له عن الطريق ، فدنا إليهم ، فقال : ما شأنكم تنحيتم ؟ فقال واحد منهم : إنك أصلحت سرك مع ربك ، فوقعت هيبتك في قلوبنا . وقال أبو العباس مسروق الطوسي : أكثر ما يخاف العارف منه فوت الحق ، كما حكى أن اللّه جل ثناؤه أوحى إلى صاحب الزبور : يا داود ، احذر ألا أفوتك فيفوتك كل شئ . وقال مظفر القرميسينى : العارف من جعل قلبه لمولاه ، وروحه لبلواه ، وجسده للمخلوقين في موافقة رضا مولاه . وقال عبد اللّه الرازي : العارف لا يعبد اللّه على موافقة الخلق ، بل يعامل الخلق على موافقة الخالق . وقال أبو عبد اللّه : من أراد أن يعرف قدر معرفته باللّه ، فلينظر قدر هيبته من اللّه في وقت خدمته للّه ، ويقال : أوحى اللّه إلى بعض أنبيائه : اعرفوا ربوبيتى ولا تعرفوا كيفيتى ، كما أنكم تعرفوننى إني خالقكم ورازقكم من قبل أن تعرفوا من أين رزقكم ، وفي أي وقت ، فكذلك لا تقدرون أن تعرفونى بالكيفية . وسئل محمد بن واسع : هل عرفت الرب ؟ فسكت ، ثم قال : من عرفه طلبه ، ومن طلبه وجده ، ومن وجده أنس به ، ومن أنس به استوحش من غيره . ويقال : إن من المسائل مسائل جوابها السكوت ، وهذا إذا سئل العبد : أنت