أبي طالب المكي
128
علم القلوب
العارف ؟ أو تعرف اللّه ؟ أو تخاف من اللّه ؟ أو أنت مؤمن ؟ لأنك إن قلت : لا ، كفرت ، وإن قلت : نعم ، [ ف ] ليس وصفك وصف العارفين والخائفين والمؤمنين . وقال جعفر الصادق ، رضى اللّه عنه : قوله عز وجل : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها [ النمل : 34 ] ، قال : المعرفة مثل الملك ، والقرية هي البيت ، كالمعرفة إذا دخلت في القلب زالت من القلب الأماني والمرادات أجمع ، فلا يكون فيه محل لغير اللّه « 1 » . وقال أبو يزيد : المعرفة كالشمس ، والعلم كالنجوم ، والعقل كالقمر . وسئل الجنيد : من العارف ؟ قال : من لم يأسره لحظه ولا نطقه . وقال بشر الحافي ، رحمه اللّه : بلغني أن اللّه جل ثناؤه يقول : وعزتي وجلالي ، ما عرفني من لم يحبني ، وكيف لا يحبني وقد عرفني ؟ وأين يذهب وهو لا يجد مثلي ، ولا عبدني من لم يذكرني ، ولا علم قربى من لم يأنس بي . وقال مالك بن دينار ، رضى اللّه عنه : إن في الدنيا جنة من وجدها لم يشتق معها شيئا ، قيل : وما هي ؟ قال : معرفة اللّه ، وأنشد في ذلك : إن عرفان ذي الجلال لعز * وضياء وبهجة وسرور وعلى العارفين أيضا بهاء * وعليهم من الجلالة نور فهنيئا لمن عرفك إلهي * هو والله دهره مسرور وقال علي بن أبي طالب ، رضى اللّه عنه : ما أحب أن اللّه أماتني في صغرى ورفعني في عليين ، قيل : ولم ؟ قال : تركني حتى عرفته ، ليس العجب ممن وجد الجنة في العقبى ، ولكن العجب ممن وجد الجنة في الدنيا ، ليس العجب ممن يفتخر بدخول الجنة ، ولكن العجب ممن يفتخر بدخول [ جنة ] الجنة ، فقد صار العارف جنة الجنة ، وحصل معه نعيم النعيم ، ولذة اللذة ، وسرور السرور ، فسبحان من رفع قدر عبده ، وجعل مثله كمثل الجنة ، ثم رفع منزلته ، فجعله أعظم محلا من الجنة ؛ لأنه قال : من وجد من وجد [ ه ] لم يشتق إلى الجنة ، يعنى لما يرى فيه من العجائب ، ويجد به من [ ال ] تذاذ ، وينال من الأنس بقربه . والجنة لا يموت من دخلها ولا يهرم ، ولا يمرض ،
--> ( 1 ) هذا اضطراب في التفسير ؛ لأن زوال الأماني والمرادات ليس فسادا ، حتى ولا من باب الإشارة .