أبي طالب المكي

111

علم القلوب

وسئل سهل بن عبد اللّه عن حقيقة التوحيد ، فقال : قريب من الظنون ، بعيد في الحقائق ، وأنشد لبعضهم : فقلت لأحابى هو الشمس ضوؤها * قريب ولكن من تناولها بعد وقال أبو العباس الزوزنى : التوحيد علامة يعرف بها المتعبد نفسه ، والتجريد علامة المتجرد يعرف بها نفسه ، والتفريد علامة يعرف بها المتعبد نفسه ، فعلامة صحة التوحيد في سر المريد أن يستوحش المريد من سره ، ويستأنس من سره بلا سره . كما قيل لأبى يزيد : ما اسم اللّه الأعظم ؟ قال : أن تقول : لا إله إلا اللّه ، وأنت لست ثم ، وعلامة صحة التفريد في قلب المتفرد أن يستوحش سره من قلبه ، ويستأنس في قلبه بلا قلبه ، كما قال واحد : ولى ألف وجه قد عرفت سبيله * ولكن بلا قلب إلى أين أذهب وعلامة صحة التجريد في نفسه أن يستوحش من نفسه ، ويستأنس في نفسه بلا نفسه . وقال بعضهم : التجريد أن ينسلخ المريد من جميع ما يريد غير ما يزيد المراد من المريد ، كما تنسلخ الحية من جلدها ، واللبن من ضرعه ، والولد من أمه ، والسهم من قوسه ، والماء من عينه « 1 » . وسئل أبو العباس : صف لنا الموحد ، فقال : نعم ، الموحد هو الذي غرق قلبه في أنوار التوحيد ، وطار فؤاده في لباب التفريد ، واحترقت نفسه بنيران التجريد ؛ ليكون منقطعا من القريب والبعيد ، متصلا بحق المهيمن المجيد ، متحير بين الخلق والحق على شفا جرف هار « 2 » ، والخليط والتشريد ، مثل الكليم قطعه عن خلقه ، كما قال : واصطفيتك لنفسي ، أي لم أدع لغيرى فيك نصيبا ، فلما قطعه عن الغير ، قال

--> - الاستسلام الكلى لمراد اللّه حتى لا تنازعه إرادة النفس ، ولا العقل ، ولا القلب . ولعله أراد بذلك ردع الشيعة الغلاة ، وقد يؤيد هذا ما رواه عن جعفر الصادق في الآية الرابعة من باب وصف العارفين ، من آلاف العوالم المجهولة ألهمت أن تستغفر لمحبى أبى بكر وعمر . ( 1 ) في الأصل الضمير في الفقرة كلها مؤنث . ( 2 ) لأنه يعيش في الوجود ولا يرى له وجودا ، هذه هي الحيرة التي عبر عنها الماهدون بأن العبد موجود ولا موجود ، وكائن بائن ، ومتصل منقطع ، وهو مشهد تزل فيه كثير من الأقدام غير الراسخة ، أما الراسخ ، فيقف على شفا الجرف ثابت القدم ، مستهديا باليقين .