أبي طالب المكي
108
علم القلوب
ومر الشبلي في سوق بغداد ، فقال : يا أهل بغداد ، [ هل ] فيكم من يقول : اللّه ؟ فقام شاب من أصحاب الحديث بيده محبرة ، فقال : يا أبا بكر ، أليس كلنا يقول : اللّه ؟ فقال الشبلي : ويحكم ، أنتم تقولون : اللّه ، نفسا بنفس ، ورسما برسم ، وأنا أقول : اللّه ، بحق ، وأنتم تقولون : اللّه ، ثم ترجعون إلى معلوماتكم ، ومألوفاتكم ، وأنا أقول : اللّه ، بذهاب الدنيا والآخرة ، ويحكم هل تحبون أن أظهر لكم علما من حقائق علوم اللّه ؟ قالوا : نعم ، قال : أحضروا طبقا أكتب عليه اللّه ، وقدحا أقرأ عليه اللّه ، ورجلا أشير إليه باللّه ، فأحضروا ما أراد ، فكتب على الطبق اللّه ، فانشق الطبق نصفين ، وقرأ والرجل يصيح ، فقال الشبلي : يا نار كونى بردا وسلاما ، هذا من رجالك ، فخمدت النار « 1 » . وقال الشبلي : إلهي أنت ، لا يعلم أحد كيف أنت إلا أنت ، الناس كلهم يريدون أنت ، ولكن لا يعلمون من تريد أنت ، إلهي كنت أتمنى معرفتك ، فلما عرفتك وقع اسمى في ديوانك ، ولا يمكنني الهرب ، فلا أستطيع المكث مع اللّه ، وليتني لم أعرفك ، فأنا كما قال القائل « 2 » : تمنيت نارا أستضىء بضوئها * فلما أضاءت أحرقنى شعاعها وقال الشبلي : ويلك يا مدعى ، كيف يصح لك التوحيد ، وكلما ملكت شيئا
--> ( 1 ) هذا الحادث يعد عند علماء التصوف من باب الكرامة التي تؤيد الولي في دعوته إلى اللّه على السنن المحمدي ، وكما جاز أن يكون معجزة لنبي ، جاز أن يكون كرامة لولى ؛ لاتحاد الهدف في الدعوة إلى اللّه من الرسول ومن الولي ، وأن النبي والرسول هو الإمام الذي يخضع الولي لسنته خضوعا تاما ، لا نقص فيه ، وقد ينكر كثير من الناس وقوع الكرامات من الأولياء ، ولكننا لا نسفه زعمهم ، بل ندعوهم إلى دراسة هذا الحادث ، من حيث المدى الهائل الذي يصله عارف اللّه ، العامل بمعرفته ، من شفافية الروح وخفتها ، حتى ينعدم لديها الزمان والمكان ، وكلنا معاشر الدارسين منا من وثق بصحة وقوع الخوارق للأولياء ، ومنا من لم يوفق إلى هذا اليقين الذي تهفو القلوب داعية المولى جل وعلا أن يطلعنا عليه من عنده ، وقد أيدت النظرية الحديثة خوارق الإنسان ، فلا مجال للإنكار . ( 2 ) لعل هذه النقول هي التي جعلت الناس يهجرون المؤلف ، ويفهونه بالبدعة ، والقول المستشنع ، أما قوله : « فلا أستطيع المكث مع اللّه » ، فمعناه لا أستطيع الصبر على البلاء في حال معرفتي باللّه ؛ لشدة وطأته ، وأما قوله : « ليتني لم أعرفك » ، فهو قول يبدو من العارف حينما تضيق به الحيلة عن احتمال البلاء ، أو حينما ينظر إلى حاله بعد المعرفة ، فيرى ضلال حاله قبل المعرفة ، ولو بقي على حاله الأول ، لرضى بقسمته ، والقول على كل حال من الأقوال النابية ، التي لا تليق في جانب الحق ، وإن كان له تأويل صحيح ، فهو من باب الإدلال الذي زل فيه الكثير من السالكين .