أبي طالب المكي

109

علم القلوب

ملكك ، وكلما أبصرت شيئا أسكرك ؟ . قال الحلاج : من التمس الحق بنور الإيمان ، فهو كمن طلب الشمس بنور الكواكب . وقال سهل : لكل طاعة آفة ، وآفة التوحيد الشرك ، وآفة الأنس باللّه الأنس بالمخلوقين ، وآفة الخوف الغفلة ، وآفة الزهد الرجوع إلى المباح ، وآفة الشوق إلى الجنة إيثار الدنيا عليها . وسئل أبو العباس الزوزنى عن التوحيد والتفريد والتجريد ، فقال : التوحيد هو الوحدة للموحدة ، بنور التوحيد الذي رش عليه من نور القبضة يوم الذر عند القسمة ، والتفريد ما أفرده المنفرد بنور الفردانية الذي رزق من خزائن المنة ، والتجريد فعل المتجرد ، تجرد له عند العبودية بنور الصمدانية الذي هداه إلى سواء الطريق بالتوفيق . وقال بعض الحكماء : التجريد على أربع معان : تجريد القلب ، والروح ، والعقل ، واللسان : فأما تجريد الروح ، [ ف ] هو أن يتجرد المريد عن إرادة غيره ، كما يتجرد المحرم من لباس بيئته إذا بلغ أطراف حرم ربه . وأما تجريد العقل ، فهو أن يتجرد من طيب المؤانسة مع كل ما هو فان ، [ كما أن ] أقل ما يتجرد [ منه ] المحرم في إحرامه « 1 » من المسك والعنبر . وأما تجريد القلب ، فهو أن يقوم مجرد على باب الرجاء بالتضرع والنداء ، كما يقوم الحاج يوم الحج الأكبر . وأما تجريد اللسان ، فهو أن يجرده عن ذكره ويشغله بمحامد كما يشغل الحاج لسانه عند الطواف بذكر مناسكه ، فيكون الروح مجردا إرادة غيره ، والقلب مجردا على باب الرجاء ، تائبا عن الالتفات إلى غيره ، والعقل مجردا عن المؤانسة بغيره . وقال بعض الحكماء : التجريد حال موسى بن عمران ليلة الشجرة ، أن رآى نارا ، وكان النار نورا ، فقال لأهله : امكثوا مكانكم ، فإني أريد أن أتجرد لطلب النار ، قال :

--> ( 1 ) في الأصل : من إحرامه المسك والعنبر .