أبي طالب المكي
107
علم القلوب
حالكم ولى حالي ، ولكم دينكم ولى دين ، تريد منكم التخليط ، وتريد منى التوحيد ، طاب عين الموحد مع المخلط ، دعنا نعيش مع اللّه ساعة . وقال البسطامي : لو أن اللّه زين الجنة بسبعين ألف ألف ضعف من ألوان القصور ، والخيام ، والأنهار ، والأشجار ، ثم خلونى فيها وحيدا ، ثم كان في جسدي نشوها ، ما ادعيت توحيده ، ولو أن الجحيم جعلها في العظم أضعاف ما جعلها سبعين ألف ألف ضعف ، ثم حبسني فيها مخلدا ، ثم كان على جسدي يمرق تألم بها ، ما ادعيت قط معرفته . وقال الثوري : مقامات التوحيد أربعة أحوال : حال فناء العبد عن العبد ، وحال الفناء عن الفناء ، وحال فناء الفناء « 1 » ، [ وحال البقاء باللّه ] ، كما قال تعالى : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [ يونس : 32 ] . وقال الثوري : ما زال الحق يسقيني حتى سكرت ، فلما سكرت ؟ قال لي : أعرفنى ؟ قلت : كيف أعرفك وأنا سكران ؟ . وقال بعضهم : من لم يعرف حاضره ، كيف يعرف وارده ؟ ومن لم يعرف وارده ، كيف يعرف مورده ؟ . وقيل لعلي بن أبي طالب ، رضى اللّه عنه : كيف أصبحت يا أمير المؤمنين ؟ قال : كيف يصبح من هو في معرفة اللّه حيران ، وفي محبة اللّه ولهان ، وقد علم أن معه أعوان ، وخطاياه مكتوبة في الديوان ، وإن لم يرض المولى ، كبكب على وجهه في النيران « 2 » . وقال الخلدى : سمعت جنيدا يقول : خرجت من قرية من قرى بني إسرائيل ، فرأيت شخصا قاعدا تحت شجرة ، وهو يقول : يا أبا القاسم ، كل حقيقة لا تتبعها شريعة فهو كفر ، وكل توحيد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو زندقة .
--> ( 1 ) الفناء ألا يرى المريد موجودا غير اللّه ، الفناء عن الفناء ، أن ينسى المريد أنه فنى عن الموجودات بوجود ربه ، فتمحى كل اعتبارات الوجود المادي ، وفناء الفناء هو المقام في ذوق مشاهدة الحالة السابقة مع زوال صفة الفناء عن الطالب ، أي يصير هذا المشهد لديه ملكة لا تحتاج إلى سلم الفناء ، ثم الفناء عن الفناء ، بل يعيش فيها دون تدرج ، وهي حال البقاء باللّه . ( 2 ) ليست هذه لغة الإمام ولا منهجه ، ولعله من نقول المكي عن الشيعة ببغداد بعد رحيله إليها .