أبي طالب المكي
11
علم القلوب
المراجع في هذا النقل ، وقد ذكر عن الشبلي في هذا الكتاب الذي بين أيدينا قوله : « إلهي كنت أتمنى معرفتك ، فلما عرفتك وقع اسمى في ديوانك ، ولا يمكنني الهرب ، فلا أستطيع المكث مع اللّه ، وليتني لم أعرفك » ، وقد رددنا على ذلك في موضعه من التعليق ، وقد ذكر في كتبه قليلا من الروايات الإسرائيلية ذات الدلالة على قيمة المثل العليا للأخلاق الدينية ، وإن كان تفاصيلها بعيدة عن الصدق . أما روايته عن الشبلي ، فهي تعبير المبتدىء حينما يجد نفسه مأخوذا بنظام دقيق في السلوك ، ومهما كان في العبارة ، إن صحت عن الشبلي ، من خطأ في التعبير ، فهي نقل ، وليس على المكي فيها سبيل إلا سبيل النقل فحسب ، ولا يطعن ذلك في عقيدته ، ولا في سلوكه ، لا سيما وأن جميع المراجع تذكر أنه كان رجلا صالحا ، مجتهدا في العبادة ، ويذكر اليافعي في مرآة الجفان أن له لسانا حلوا في التصوف ، ويصفه بأنه قدوة الأولياء الكرام . أما العبارة الأولى ، فمن الذي ينكر مدلولها ؟ ! وهل يضر الإنسان شئ في الحياة غير خالقه ؟ ! وهل يعرضه للضرر سوى تصديه لمعرفة اللّه وادعاء تلك المعرفة دون استعداد لها ؟ ! وهل يمحق العمل الصالح سوى هفوة من هفوات المعرفة الإلهية ؟ ! فإذا كان رفع الصوت في حضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم والجهر له بالقول كجهر بعضنا لبعض يحبط الأعمال دون أن نشعر ، فما بالك بمثل هذه الهفوات ، نسمعها دائما في الطرقات والبيوت اعتراضا على قضاء اللّه مرة ، وتصحيحا لأحكامه مرة أخرى ، ورفعا للصوت والرأي في حضرته ، وغير ذلك ، فهل رأيت يا أخي أضر على المخلوقين من عدم الأدب في معرفة الخالق ؟ ! وليس بين التعبيرين فرق ، إلا ما في الأول من الاختزال ، وما في الثاني من التوضيح . وليس المكي وحده هو الذي أصابته سهام الناس من بين رجال الدين ، فقد تعود بعض الناس أن ينكروا ما لم يألفوه من مسائل العلم إنكارا كاملا ، لا مظنة فيه للحق ولا للتعديل ، وتعود بعضهم الآخر أن يتوقف فيما لم يألف من تلك المسائل ، فلا يقطع فيها بحكم ، بل يسلم أمر علمها للّه ، وهذا النوع الثاني أقرب إلى الصواب من سابقه ، فهو لا يهدم جازما بالخطأ ، بل يترك ما لا يناسب مداركه إلى من يناسب مدراكهم . والناس لا يضعون الألفاظ إلا لما عرفوه من الأشياء وألفوه حتى من فنون