عبد الرحمن بن محمد البكري
88
الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار
في أيدي الناس فإذا اجتمع في العامل ، والناسك فقد هلك ، وهلك الناس على يديه لاقتدائهم به . وقال : لا دين إلا بعلم ، ولا مقام إلا بعقل ، ولا درجة إلا بورع ، ولا رتبة إلا بزهد ، وليس في الزهد أقرب طريق من قصر الأمل . وقال : من لم تسارع به الرغبة ، ولم تزجره الرهبة زهد فيما رغب فيه ، ورغب فيما زهد فيه ، وكان ارتداده عن طريقته سببا لعمى قلبه ، وصدا لأبناء جنسه . وقال : إذا أردت أن تعرف عقل المبتدئ فانظر كيف حذره ، وخوفه ، وورعه ، وقناعته ، وترك ما لا يعنيه ، وإن أردت أن تعلم علم المتناهى ، فانظر كيف ظنه بربه ، ورجاؤه فيه ، ونصيحته للخلق ، ورحمته لهم ، وغناه باللّه عز وجل ، أفسد العلماء الجهال حين نسوا نعمة اللّه عليهم في العلم ، وأفسد الأغنياء الفقراء حين غفلوا عن شكر اللّه فيما أولاهم . وقال : آفة العلماء نظرهم إلى أنفسهم ، وآفة الأغنياء نظرهم إلى ما بين أيديهم ، وآفة الفقراء نظرهم إلى ما بيد غيرهم ، وآفة المريدين نظرهم إلى أعمالهم ، ولو نظروا إلى فضل اللّه تعالى ، ومنته ، وجوده ، وكرمه ، وإحسانه إليهم ، وعطفه عليهم لافتقروا إليه في نفس غنائهم ، فخضعوا ، وذلوا ، وتواضعوا ، وأشفقوا خوف السلب في نهاية علمهم ، وغاية جهدهم ، واجتهادهم ، وهذا العلم خصوص للخاصة لا يجد طعم حقيقته إلا عالم عارف بصير موفق . وقال : إذا كانت بداية الحدث النظر إلى نفسه ، والزهو على شيخه ، كيف يفلح ؟ لا أو يزيد به البلاء حتى يعنفه ، أو يعجزه ، ويزدرى به ، ويحتقره فهناك عمى القلب ، وانطماس الفهم ، واختبال العقل ، فلو أنزل إليه ملك من السماء يخبره عن ربه أن الحق في خلاف ، ما هو فيه ما