عبد الرحمن بن محمد البكري

112

الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار

وقال : كيف يجد مريد الهداية في دينه من هو في ليله ، ونهاره مداهن لأهل الباطل مخالط لأهل العمى ، رضاه بمزيد دنياه ، وسخطه في نقص شهوته ؟ بل كيف يتصل إلى هدايات القلوب ، والنظر بالنور من هو مقيم على شئ مما نهاه اللّه عنه ؟ فهو راض عن نفسه معرض بدنياه عن آخرته ، واللّه أعلم . وقال : إنما عميت قلوب أهل الإتراف بالدنيا لقلة التحافظ في الكسب ، وترك المحاسبة في الإنفاق ، وإنما عميت قلوب العلماء ، والفقراء لمحبة الذكر ، والرئاسة ، ومخالطة الظلمة ، ومداهنة الفجرة ، وإنما غويت قلوب أهل الإرادة لإضاعة الرعاية ، وإنما قلّ صبر الفقراء لموافقة هوى أبناء الدنيا . وقال : صنفان من الناس أضر على أهل الإيمان من إبليس ، وجنوده ، مدعى العلم ، وهو يعمل بالجهل ، ومدّعى الزهد ، وهو حريص على الادخار ، والجمع . وقال : لا يفلح عبد في نفسه ، ولا يفلح به غيره ما كانت فيه خلتان : حسود في علمه ، ومعجب في عمله . وقال : لما تركوا العمل بالمحكم من كتاب اللّه ، والثابت من السنة ، ورجعوا إلى الرأي ، والقياس ، والمستحسن سلبوا أنوار عقولهم ، وانطمست فطن فهومهم ، فعمى القلب ، وكلّ الذهن ، فقامت النفس عند ذلك مقام العقل ، وقام الهوى مقام الروح ، وقام العدو مقام العلم ، وقامت الوسوسة مقام الصدق ، والإخلاص ، وقام الباطل مقام الحق ، فنعوذ باللّه من هذا الحال ، ومن الاغترار بأهلها . وقال : ذهبت الغنيمة ، وغربت السلامة ، وعلا الباطل ، وظهر المنكر ، وتعامل الناس بالخبث ، والفجور ، فلا يرى الحق في هذه الأزمان إلا