محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

54

الاعمال الصوفية

المعنى « أنت » هي معنى الكون كلّه . معناك أقوى من السماء والأرض ، معناك يبصر بلا طرف ، ويسمع بلا سمع ، لا يسكن الديار ولا يأكل من الثمار ، ولا يجنّه الليل ، ولا يسرح بالنهار . معناك لا تحيط به الألباب ، ولا تتعلّق به الأسباب . لأنه المعنى الذي خلقه الله ، والله من ورائه . يريد الله أن يبدي خلقه ويظهر ما يشاء فيه ، لذلك يظهره يدعو إلى نفسه ، ويحجب عنه ، ويحضر بمعنويّته ، ويغيب عن موقفه . لأن الله أظهر كل شيء ، وجعل الترتيب فيه حجابا عن معنويته ، وصيّر الحد فيه حجابا عن مراده فيه . كلّ معنويّة ممعناة إنما معنيت لتصرف ، وكلّ ماهيّة ممهاة إنما أمهيت لتخترع . مصحوب كلّ شيء غالب حكمه ، وحكم كلّ شيء راجع إلى معنويّته ، ومعنوية كلّ شيء ناطقة عنه ، ونطق كلّ شيء حجابه إذا نطق . لكل شيء من الظواهر حكم وصف انفصل عنه ، وبقي الوصف وصفا والحكم حكما . حتى ليمكن اعتبار الوجود على نوعين : فوقي ، وتحتي ، والأرواح والأنوار في الفوقيّة ، والأجسام والظلم في التحتيّة . ينتمي الكل إلى الفوقيّة ، ولكنه حين يقترن بالإنسان ينتمي إلى التحتيّة . وتنتمي « الإنيّة » و « الهويّة » إلى الكل : فقد أظهر الله الظواهر بالمعنويّة ، وفيها العوالم الثبتيّة ، ثم بدا للثبتية فأفناها ، فلم يبق إلا المعنويّة . وتنتمي المعنويّة إلى الفوقيّة ، وموضع الإنسان بين الروحي والثبتيّ . لكل شيء شجر ، وشجر الحروف الأسماء ، فاذهب عن الأسماء تذهب عن المعاني ، وبذلك تصلح لمعرفة الله . إن خرجت من معناك ، خرجت من اسمك ، وإن خرجت من اسمك وقعت في اسم الحق . والسوى كلّه محبوس في معناه ، ومعناه محبوس في اسمه ، فإذا خرجت من اسمك ومعناه ، لم يكن لمن حبس في اسمه ومعناه سبيل عليك . لكل شيء اسم لازم : ولكل اسم أسماء : فالأسماء تفرق عن الاسم ، والاسم يفرق عن المعنى . لقد ألّف الله بين كل حرفين بصفة من صفاته ، فتكوّنت الأكوان بتأليف الصفات لها : والصفة التي « لا تنقال » هي فعاله ، وبها تثبت المعاني ، وعلى المعاني ركبت الأسماء . الاسم الحرف متضمّن في الأسماء ، والأسماء في الاسم ، والاسم في الذات : الأسماء نور الحرف ، والمسمّى نور الأسماء . العلم والمعلوم في الاسم ، والحكم والمحكوم