محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
42
الاعمال الصوفية
أوقفني في موقف وراء المواقف . فذلك الموقف مسمّى بغير اسم ما ينتقل إليه . وهو الموقف الذي لا يكون بعده ما يناسب الأول . وهو عندما يريد الحق أن ينقله من المقام إلى الحال ، ومن الحال إلى المقام ، ومن المقام إلى المنزل ، ومن المنزل إلى المنازلات ، أو من المنازلات إلى المقام . وفائدة هذه المواقف أنّ العبد إذا أراد الحقّ أن ينقله من شيء إلى شيء يوقفه ما بين ما ينتقل عنه وبين ما ينتقل إليه ، فيعطيه آداب ما ينتقل إليه ، ويعلّمه كيف يتأدّب بما يستحقّه من ذلك الأمر الذي يستقبله . فإنّ للحقّ آدابا لكلّ منزل ومقام وحال ومنازلة ، إن لم يلزم الآداب الإلهيّة العبد فيها ، وإلا طرد . وهو أن يجري فيها على ما يريده الحقّ من الظهور بتجلّيه في ذلك الأمر أو الحضرة من الإنكار أو التعريف . فيعامل الحقّ بآداب ما تستحقّه . وقد ورد الخبر الصحيح في ذلك في تجلّيه سبحانه في موطن التلبيس ، وهو تجلّيه في غير صور الاعتقادات ، فلا يبقى أحد يقبله ، ولا يقربه ، بل يقولون إذا قال لهم : أنا ربكم : نعوذ بالله منك . فالعارف في ذلك المقام يعرفه . غير أنّه قد علم منه ، بما أعلمه ، أنّه لا يريد أن يعرفه في تلك الحضرة ، من كان هنا مقيّد المعرفة بصورة خاصة يعبده فيها . فمن أدب العارف أن يوافقهم في الإنكار ، ولكن لا يتلفّظ بما تلفظوا به من الاستعاذة منه ، فإنّه يعرفه . فإذا قال لهم الحقّ في تلك الحضرة ، عند تلك النظرة : هل كان بينكم وبينه علامة تعرفونه بها ؟ فيقولون : نعم . فيتحوّل لهم سبحانه في تلك العلامة ، مع اختلاف العلامات . فإذا رأوها ، وهي الصورة التي كانوا يعبدونه فيها ، حينئذ اعترفوا به . ووافقهم العارف بذلك في اعترافهم ، أدبا منه مع الله وحقيقة ، وأقرّ له بما أقرّت الجماعة . فهذه فائدة علم المواقف . وما ثمّ منزل ولا مقام - كما قلنا - إلا وبينهما موقف ، إلا منزلان أو حضرتان أو مقامان أو حالان أو منازلتان [ الصحيح في كل هذه الحالات الاستثناء بالنصب : منزلين . . . إلخ ] كيف شئت قل ، ليس بينهما موقف . وسبب ذلك أنّه أمر واحد ، غير أنه يتغيّر على السالك حاله فيه ، فيتخيّل أنّه قد انتقل إلى منزل آخر ، أو حضرة أخرى ، فيحار لكونه لم ير الحقّ أوقفه ، والتغيير عنده حاصل ، فلا يدري هل ذلك التغير الذي ظهر فيه هو من انتقاله في المنزل ، أو انتقاله عنه . فإن كان هنالك عارف بالأمر عرّفه ، وإن لم يكن له أستاذ بقي التلبيس . فإنّه من شأن هذا الأمر أن لا يوقفه الحقّ ، كما فعل معه فيما تقدّم ، وكما يفعل معه فيما