محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
43
الاعمال الصوفية
يستقبل . فيخاف السالك من سوء الأدب في الحال الذي يظهر عليه ، هل يعامله بالأدب المتقدم ، أو له أدب آخر ؟ وهذا لمن أوقفه الحقّ من السالكين . فإذا لم يوقفه الحقّ في موقف من هذه المواقف ، ولم يعطه الفصل بين ما ينتقل إليه وعنه ، كان عنده الانتقالات في نفس المنزل الذي هو فيه . فإنّه ما ثمّ عند صاحب هذا الذوق إلا أمر واحد ، تكون فيه الانتقالات ، وهو كان حال المنذريّ ، صاحب « المقامات » ، وعليها بنى كتابه المعروف ب « المقامات » ، وأوصلها إلى مائة مقام في مقام واحد ، وهو المحبّة . فمثل هذا لا يقف ولا يتحيّر ، ولكن يفوته علم جليل من العلم بالله وصفاته المختصة بما ينتقل إليه ، فلا يعرف المناسبات من جانب الحق إلى هذا المنزل . فيكون عنده علم إجمال ، قد تضمّنه الأمر الأوّل عند دخوله إلى هذه الحضرات . ويكون علم صاحب المواقف علم تفصيل ، ولكن يعفى عنه ما يفوته من الآداب ، إذا لم تقع منه ، وتجهل فيه ، ولا يؤثر في حاله ، بل يعطي الأمور على ما ينبغي ، ولكن لا يتنزل منزلة الواقف . ولا يعرف ما فاته ، فيعرّفه الواقف ، وهو لا يعرف الواقف . فلهذا المنزل الذي نحن فيه موقف يجهل ، بل يحار ، فيه صاحب المواقف ، لأن المناسبة بين ما يعطيه الموقف الخاص به وبين هذا المنزل بعيدة ممّا بنى المنزل عليه . وكذلك الذي يأتي بعده ، غير أنّ النازل فيه ، وإن كان حائرا ، فإنّه يحصل له من الموقف في تلك الوقفة ، إذا ارتفعت المناسبة بين المنزل والوقفة ، أن المناسبة ترجع بين الوقفة والنازل ، فيعرف ما تستحقّه الحضرة من الآداب مع ارتفاع المناسبة ، فيشكر الله على ذلك . فصاحب المواقف متعوب ، لكنّه عالم كبير . والذي لا موقف له مستريح في سلوكه غير متعوب . وربّما إذا اجتمعا ، ورأى من لا موقف له حال من له المواقف ، ينكر عليه ما يراه فيه من المشقّة ، ويتخيّل أنه دونه في المرتبة . فيأخذ عليه ذلك ، ويعتبه فيها ، ويقول له : الطريق أهون من هذا الذي أنت عليه ، ويتشيّخ عليه ، وذلك لجهله بالمواقف . وأمّا صاحب المواقف فلا يجهله ، ولا ينكر عليه ما عامله به من سوء الأدب ، ويحمله فيه ، ولا يعرّفه بحاله ، ولا بما فاته من الطريق . فإنه قد علم أن الله ما أراده بذلك ، ولا أهّله ، فيقبل كلامه . وغايته أن يقول له : يا أخي سلّم إليّ حالي كما سلمت إليك حالك ، ويتركه . وهذا الذي نبّهتك عليه من أنفع ما يكون في