محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

30

الاعمال الصوفية

النفّريّ هي بلاغة إنكار الحرفية ، لأن « الحرف يعجز أن يخبر عن نفسه ، فكيف يخبر عنّي ؟ » ( موقف ما لا ينقال ، 34 ) ، وإنكار المجاز أيضا : « الواقف لا يعرف المجاز ، وإذا لم يكن بيني وبينك مجاز لم يكن بيني وبينك حجاب » ( موقف التقرير ، 18 ) . لغة النفّريّ هي لغة التبشير بما وراء الحرف والمجاز ، أي بما وراء اللغة الحقيقية واللغة الاستعارية ، وبما وراء الشيء ونقيضه . وهنا بالضبط يصبح التصنيف أمرا مستحيلا . هل نقول إن إبداع النفّريّ ينتمي إلى الفلسفة أو الشعر أو النثر ؟ هل نستطيع أن نروّضه وفق مقولاتنا التصنيفية الجاهزة ، بحيث يوضع هذا الجزء من تفكيره تحت باب الشعر ، وذاك الجزء تحت باب الفلسفة ، والآخر تحت باب التصوف ، وسواه تحت باب النثر ؟ من الواضح أن النفّريّ نفسه يرفض هذا التصنيف . لأنه يريد اجتراح لغة تتخطى دائما مواضعات اللغة المألوفة ، بحيث يكون المجاز حرفيا ، والحرفية مجازا ، والحجاب كشفا ، والكشف حجابا . يريد أن يمزج بين النطق والصمت ، ويداخل بين وظيفتيهما ، وبين الشعر والنثر ، والفكر الفلسفي والفكر الصوفي ، أو على حد تعبيره بين الحكمة الواضعة والحكمة المرتبة . ولذلك فإن نثره شعر ، وشعره نثر ، وفلسفته تصوف ، وتصوفه حنين إلى فلسفة تتلهف لتخطي تخومها . وبالتالي نستطيع أن نخلص إلى ما خلص إليه أدونيس من استحالة تصنيف أدب النفّريّ : « ففي هذا الشوق الذي يظل شوقا نكتشف عبر نص النفّريّ هذه المفارقة : الحقيقة غير موجودة بوضوحها الكامل ، أي بغموضها الكامل ، إلا في مثل هذه التجربة ، أي في مثل هذه الوحدة الكيانية التي يكون فيها الفكر شعرا والشعر فكرا » « 27 » . هذه الطبعة حين نشر آربري كتاب « المواقف » و « المخاطبات » عام 1935 ، تصور أنه عثر على الأعمال الصوفية الكاملة للنفريّ . وقد بذل الرجل جهدا كبيرا في المقابلة بين النسخ وترجمتها . وما برحت المطابع العربية تعيد تصوير هذين العملين مع الترجمة الإنجليزية كما فعلت طبعة مكتبة المثنى ببغداد في الستينات ، أو من دونها كما فعلت الطبعات الكثيرة المتعاقبة . غير أن هذه الطبعات المتكررة نفسها أغفلت كون آربري نفسه لم يكن مقتنعا بضرورة إعادة نشرته ، وأنه عاد في عام 1953 إلى نشر مجموعة

--> ( 27 ) أدونيس : الشعرية العربية ، ص 67 .