محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

24

الاعمال الصوفية

يقدم لنا موقف ما خلق في « موقف المواقف » جوابا عن هذا السؤال ، حيث يميز فيه النفّريّ ، وهو يتساءل عن مقولات الفلسفة ، تمييزا بين نوعين من الحكمة : هما الحكمة الواضعة والحكمة المرتبة . « وأوقفني فيما خلق ، فرأيت الحركة والسكون والاختلاف والائتلاف ، وقال لي : انظر إلى هيئات كلّ شيء ! فنظرت حتى الورقة الملقاة ، والجدار المائل ، وحتى القطنة والنواة ، والخوصة واللقمة ، وما بين ذلك وكل شيء . وقال لي : كم للنواة من هيئة ؟ لها ألف هيئة ، وكذلك لكل شيء ألف هيئة . فمن هيئة النواة ؛ هيئة ملقاها ، وهيئة خذها ( اقرأ : جذّها ) ، وهيئة فلقها ، وهيئة حبلها ، وهيئة جلدها ، وهيئة لونها . ولي في كل هيئة من ألف هيئة كلّ شيء لسان فيه علم كل شيء ، ينطق بلسان تلك الهيئة . فمن عرف حكمتي في كلّ شيء ، فلا ستر بيني وبينه . إنما الستر على من رأى الهيئة ففرّق بينها وبين الهيئة في الحكمة الواضعة للهيئة . لا فرقان في الحكمة الواضعة . بلى ! فرقان في الحكمة المرتبة . وقال لي : اطرد عقلك عن الحكمة المرتبة ، ففيها مقدم ومؤخر ، وتقول : « لم » و « كيف » فتعترض ، وسقه إلى الحكمة الواضعة . فإذا ثبت لها ، لم يختلف في الحكمة المرتبة » . كيف يمكننا فهم هذا النص ؟ موقف ما خلق الله هو موقف السوى ، موقف كل ما عدا الله . والسوى عند النفّريّ نار في ذاته ، نور في الله . السوى وما خلق الله هو الطبيعة الزاخرة بالحركة والسكون والاختلاف والمماثلة . مع الحركة والسكون ، تبدأ فاعلية الفلسفة ، أو الحكمة المرتبة ، كما يسميها النفّريّ ، أي حكمة ترتيب الأشياء وفقا لقوانين التقدم والتأخر بالتعليل السببي والتعليل الزمني . في الفلسفة الطبيعية تساؤل بأدوات المعرفة التجريبية أو الترتيبية : لم وكيف وأين ولما ذا . وهذا التساؤل ، هو في حقيقته اعتراض على الحكمة الواضعة . هناك إذا حكمتان وفلسفتان : الحكمة الواضعة ، أي التفلسف بأدب حكمة الخلق والإيجاد والإبداع من منظور ما لا يتناهى ، والحكمة المترتبة ، أي التساؤل بأدب حكمة الزمن ، ومقاييسه الوضعية ( بالمعنى الحديث للكلمة ) في الحركة والسكون والكيفية والسببية والجوهر والمظهر . . الخ . ولكن هل يتسع منظور ما لا يتناهى من خلال حكمة الخلق لاستيعاب الجزئيّات