محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

25

الاعمال الصوفية

الدقيقة ، مثل الورقة الملقاة والجدار المائل . والقطنة والنواة واللقمة ، وبقية الأشياء المتناهية في الصغر . هناك تقليد في الفلسفة الإسلامية يتعلق بعلاقة الكثرة والوحدة . كيف يمكن التوحيد بين غزارة العوالم المخلوقة وواحدية الله . والجواب عن هذا السؤال يتعدد بتعدد الفلسفات والفلاسفة . غير أنه في كلّ الأحوال يفضي إلى سؤال آخر ، وهو : هل يعلم الله الجزئيّات ، أم أن علمه يقتصر على الكليّات ؟ الإجابة في الحالتين تفضي إلى مأزق . إذا قلنا إن علم الله محيط بالجزئيّات ، فقد أدخلنا التغير في علمه ، لأن الجزئيّات متغيرة ، وإذا قلنا إن علمه يحيط بالكليات فقط فقد جعلنا الجزئيّات خارج علمه ، وبالتالي أدخلنا في ملكوت الله ما لا يحيط به علمه . ذلك هو طريق الفلسفة الطبيعية والحكمة المرتبة ، بتعبير النفّريّ . لكي يتجنب النفّريّ هذا المأزق فإنه يتجنب طريق الحكمة المرتبة ، ويسلك طريق الحكمة الواضعة من منظور ما لا يتناهى . ويأتي ذلك من خلال الاستشهاد بمثال « الورقة الملقاة » . وليس من شك في أن مثال « الورقة الملقاة » هو تلميح للآية القرآنية الدالة على علم الله بالجزئيات ( في سورة الأنعام / 59 ) : ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) . من منظور ما لا يتناهى لا يوجد فرق بين الجزئيات والكليات ، ولا بين الجوهر والمظهر . الفرق في الحكمة الترتيبية المتعلقة بالزمان فقط . لا بل إن المظهر البسيط لما يتناهى في الصغر نفسه ، يمكن أن يتعدد إلى ألف مظهر ، بحيث يصير لكل شيء ، مهما كان ضئيلا ألف هيئة وألف ملمح ، وبالتأكيد فإن كلمة ألف هنا تدلّ على التكثير ، لا على الحصر . كلّ مطهر من المظاهر الألف لكل شيء يتكلم بلسان التعدد الناطق بالحكمة اللانهائية . وما دام هذا اللسان لسانا إلهيا ، فهو لا نهائي بالضرورة أيضا ، واسع سعة البحر : ( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ ) ( سورة الكهف / 109 ) . لكنّ هذا اللسان يتكلم لغة أخرى لسنا نعرف أبجديتها . . لغة من نوع آخر ، لا بالأصوات والحروف بل بالهيئات والمظاهر . ألسنا إذا بإزاء الثنائية التي أوضحها ابن عربي ومدرسته خير توضيح حول التمييز بين القرآن بوصفه كتابا تدوينيا والعالم بوصفه كتابا تكوينيا ؟ الإنصات إلى كتاب الطبيعة التكويني يفضي إلى المعرفة الأبجدية الناطقة بصنعه ، فيرتفع الستر عن العارف ، فيرى تحت غطاء الهيئة الواحدة ، ألف هيئة خبيئة لا نراها ، لا لأنها غير واضحة بذاتها ، ولكن لأننا محجوبون بأستار التعليل السببي