محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

23

الاعمال الصوفية

مولى العارفين وإمام الموحدين ، ما يدلّ على نفي زيادة الصفات لله تعالى بأبلغ وجه وآكده ، حيت قال في خطبة من خطبة المشهورة : « أوّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه » « 21 » . هنا يقدم الشيرازي مفتاحا مهما لحلّ مشكلة الأصول الاجتماعية لفكرة « اللاهوت السلبي » أو « نفي الصفات » . فنحن نجد القرآن الكريم والأحاديث النبوية تركز تركيزا عاليا على اللاهوت الإيجابي أو إثبات الصفات ، لأنها تخاطب مجتمعا بسيطا كان يؤمن بتعدد الآلهة ، من ناحية ، وبنكران انفراد الله بهذه الصفات ، من ناحية أخرى . من هنا كان التركيز في القرآن الكريم والأحاديث النبوية على نفي الصفات عن أي إله آخر سوى الله وإثباتها جميعا لله وحده . ولكن حين نقل الإمام علي ، وهو الذي ترعرع في أحضان المدرسة المحمدية ، العاصمة من المدينة إلى الكوفة ، فقد وجد أن المسلمين صاروا يحتكون بمجتمع آخر ، لم يكن بسيطا بساطة مجتمع الحجاز ، بل هو وريث ثقافات دينية وأفكار فلسفية قديمة ، وهو من جهة أخرى مجتمع مؤمن بالله ، ولكن تصوره عنه يختلف باختلاف المؤثرات الدينية القديمة فيه . وهكذا احتاج هذا المجتمع من علي أن يطور مبدأ التوحيد بدفعه في طريق التأكيد على اللاهوت السلبي ونفي الصفات أكثر من التأكيد على اللاهوت الإيجابي وإثبات الصفات . وبالتالي فلسنا بحاجة للبحث عن مصادر فلسفية خارجية لفكرة « نفي الصفات » . الموقف من الفلسفة ما ذا كان موقف النفّريّ من الفلسفة ، وهو الذي عاش معاصرا للفارابي ، معلمها الثاني ؟

--> ( 21 ) من الجدير بالذكر أن أحد شراح هذه الخطبة أغراه حضور كلمة « كمال » فيها فاعتبرها إشارة للكمال الأول والكمال الثاني عند أرسطو . وبذلك جعل الإمام علي شارحا لأرسطو دون أن يدري . غير أن هذا الفهم من شأنه أن يطيح بالقيمة التاريخية لهذه الخطبة ، وخطب أخرى كثيرة مماثلة ، لأن ترجمة أرسطو متأخرة عن زمن الإمام علي بما لا يقل عن قرنين . وكلمة « كمال » الواردة في الخطبة لا تدل سوى على المعنى التقليدي للتمام أو ما لا يشوبه نقص .