محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

22

الاعمال الصوفية

من ناحية أخرى ، نقل هنرى كوربان عن كتاب « الأمد على الأبد » لأبي الحسن العامري « ما معناه أننا إذا قلنا عن الخالق ، الذي لا يحدّه وصف ، بأنه هو ذاته الكرم والقوة والقدرة ، فإن هذا لا يعني أن هذه الصفات والملكات المعنية بهذه الأسماء توجد فعلا في الذات الإلهية » . ويعتقد هنرى كوربان بأن « أبا الحسن العامري قد تأثر بوجه خاص فيما يختص بالفلسفة السياسية بتلك المؤلفات الفارسية التي نقلها ابن المقفع عن الفهلوية القديمة » « 19 » . والواقع أن البحث عن المصدر الخارجي الذي استقى منه مفكرو الإسلام فكرة « اللاهوت السلبي » ، إذا استخدمنا مصطلح آرمستر ونغ ، أو نفي الصفات ، إذا استخدمنا المصطلح الإسلامي ، لا يمكن أن يفضي بنا إلا إلى مزيد من المتاهات في الأصول . ولذلك نفضل أن نبحث عن أصول « اجتماعية » لهذا التمييز ، لا عن أصول « تاريخية » . وهنا تقدم لنا أعمال صدر الدين الشيرازي معونة كبرى . فقد كرّس هذا الفيلسوف الكبير قدرا من الجزء السادس من كتابه « الأسفار » لمناقشة موضوعة الصفات . ومنذ السطور الأولى في هذا المبحث يميز الشيرازي بين ما يسميه المحدثون ب « اللاهوت السلبي » و « اللاهوت الإيجابي » وما يسميه هو ب « الصفة السلبية » و « الصفة الإيجابية » قائلا : « الصفة إما إيجابية ثبوتية وإما سلبية تقديسية . وقد عبّر الكتاب عن هاتين بقوله : « تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ » . فصفة الجلال ما جلّت ذاته عن مشابهة الغير ، وصفة الإكرام ما تكرّمت ذاته بها وتجمّلت . والأولى سلوب عن النقائص والأعدام . وجميعها يرجع إلى سلب واحد هو سلب الإمكان عنه تعالى . والثانية تنقسم إلى حقيقية كالعلم والحياة ، وإضافية كالخالقية والرازقية والتقدم والعلية . وجميع الحقيقيات ترجع إلى وجوب الوجود ، أعني الوجود المتأكد . وجميع الإضافات ترجع إلى إضافة واحدة ، هي إضافة القيومية . هكذا حقق المقام ، وإلا فيؤدي إلى انثلام الوحدة ، وتطرق الكثرة إلى ذاته الأحدية ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا » « 20 » . وفي رأي الشيرازي فإن نفي الصفات مما ينبني على وحدة الذات الكاملة ، إذ يحكم العقل بأن تكون الصفات جميعها « أمرا واحدا لاستحالة تعدد الواجب » . وهو يرى أن أول من عبّر عن نفي الصفات في الإسلام هو الإمام علي : « وقد وقع في كلام مولانا وإمامنا ،

--> ( 19 ) هنرى كوربان : تاريخ الفلسفة الإسلامية ، ص 254 . ( 20 ) صدر الدين الشيرازي : الأسفار ، ج 6 ، ص 105 - 106 .