محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

16

الاعمال الصوفية

تشهد ما لا ينقال تشتت بما ينقال . . . لا تكتب ولا تهمّ ، ولا تحسب ولا تطالع . وقال لي : الهم يكتب الحقّ والباطل ، والمطالعة تحسب الأخذ والترك . وقال لي : ليس منّي ولا من نسبتي من كتب الحقّ والباطل وحسب الأخذ والترك . وقال لي : كل كاتب يقرأ كتابته ، وكلّ قارئ يحسب قراءته » . في هذه النصوص تردد بين نوعين من الكتابة . فالكتابة بطبيعتها هي كتابة للحرف ، أي للغة ، واللغة عاجزة عن الوصول إلى ما لا يتناهى ، لأنها من طينة القولية ، أو كما يعبّر النفّريّ : « ما ينقال يعرفك إلى القولية . والقولية قول ، والقول حرف ، والحرف تصريف . وما لا ينقال يشهدك في كل شيء تعرفي إليه ، ويشهدك من كل شيء مواضع معرفته » ( ص 112 ) . وهذا ما يشرحه التلمساني بقوله : « يعني أن ما لا ينقال يجتمع فيما ينقال ، بخلاف ما ينقال ، فإنه يشغل الذهن بالقولية عن معناها الذي هو المقصود من القول ، فيتعلق الحرف بالذهن ، ويذهل عن المعنى . ولما كان الحرف هو معنى الخلقية ، والخلقية تصريف الخالق عزّ وجلّ ، قال : والحرف تصريف . وأما ما لا ينقال فهو شهود الوجه الخاص بالحق تعالى من كلّ شيء . ومن ذلك الوجه الخاص يكون التعرف الإلهي . فإذا أشهده انجمع بالحق تعالى ، ولم تفرقه القولية . وسرّ هذا أن ما ينقال إنما يقبله العقل من حيث هو مفكر ، والتفكر قوة خلقية . وأما ما لا ينقال فإنما يقبله العقل من جهة ما هو قابل لواردات الحق ، لا بطريق الفكر ، ولا بقوة الذهن . فالعقل إذا بالنسبة إلى ما ينقال فاعل ، أي مفكر ، والفكر إنما يكون في مقدمات مألوفة . والعقل بالنسبة إلى ما لا ينقال هو منفصل . وهما ضدّان . ولذلك وقع الاختلاف بين هذه الطائفة وبين أرباب المعقولات والمنقولات » « 12 » . بعبارة أخرى ، هناك نوعان من الكتابة : كتابة ما ينقال ، وكتابة ما لا ينقال . ترتبط كتابة ما ينقال بالقول واللغة ، أي بالنهائي المحدود ، لأنها مرتهنة بالحساب والأخذ والترك واستعمال العقل وأدوات المعرفة العملية المباشرة ، بينما تنفتح كتابة ما لا ينقال على أفق لا نهائي ، لتصبح فيه تبشيرا بعالم لم تدشنه اللغة من قبل ، وسلما للارتقاء إلى ما لا يتناهى . وبهذه الطريقة تصبح كتابة ما لا يقال هي نفسها ضربا من الخلق البديل والابتكار اللانهائي على مستوى الخيال . ولكن الكتابة اللغوية ، على هذا المستوى من الانهماك بما لا يتناهى ولا يقال ، تخرج عن اللغة ، وتتحرّر من القولية

--> ( 12 ) التلمساني ، ص 307 .