محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
17
الاعمال الصوفية
والمخلوقية ، لتنطوي على ظرف مقدس ، هو ظرف الالتحام بما لا يتناهى ، والانصهار فيه . غير أنها إذ تتحرر في المحتوى لا تستطيع الانعتاق في الشكل . فالكتابة محكومة بالتناقض الداخلي قطعا . كتابة ما يقال ، الأسيرة للحرف واللغة ، هي في رأي النفّريّ ، « فجّ إبليس » ومكيدة العبارة الضيّقة . وكتابة ما لا يقال هي الكتابة المتعالية عن اللغة التي يصبح فيها الوجود نفسه ضربا من القول المضمر ، الذي يبشر بما لا يتناهى . وذلك هو مجال فاعلية الكتابة الحقيقية عند النفّريّ . لا يعرض النفّريّ ، إذا ، عن الكتابة بمعناها المطلق ، بل يعرض عن كتابة ما يقال تحديدا . وإذا كان بالإمكان الاستفادة من تمييز التلمساني بين « علوم الأفكار » و « علوم الأذكار » ، فإن بإمكاننا القول إن هناك نوعين من المعارف أو العلوم يختلفان في موقفهما من اللغة . علوم الأفكار هي المعارف التأملية التي تستعمل العقل التحليلي بمعناه الاستنتاجي أو الحسي . وعلوم الأذكار هي المعارف العيانية الحدسية أو الكشفية ، الناتجة عن ممارسة تجربة روحية في رؤية ما لا يسمّى ولا يوصف . مع المعارف التأملية تظلّ اللغة أسيرة العالم الخارجي الذي لا تستطيع الفكاك منه ، ومع المعارف العيانية تنفتح على إمكانية احتضان ما لا يسمّى . وهي إذ تنفتح على ما لا يتناهى تنغلق في الوقت نفسه على عالمها اللغوي الداخلي ، لتصبح لغة لا لغوية ، إذا صحّ التعبير . هكذا تضطر اللغة إلى خيانة طبيعتها اللغوية من أجل استقبال ما لا يتناهى والانفتاح عليه . وهنا بالتحديد ، ترتكب كتابة ما لا يتناهى تناقضها الجوهري . فلكي تتخلص الكتابة المنفتحة على علوم الأذكار من محدودية العالم الخارجي ، الذي يشكل قيدا على حريتها ، لا بد لها أن تصدّ عن جوهر خاصيتها الاتصالية ، لكي تطلق في داخلها قوى اللاتحدد واستباق ما لم يوجد بعد . هكذا ترتكب الكتابة خيانة ذاتها ، لتنطلق من آفاقها الداخلية . بعبارة أخرى ، على اللغة ، مع الكتابة اللانهائية ، أن تتحوّل من شعرية لغة الباطن المستحيلة إلى شعرية باطن اللغة الممكنة . ولكنها إذ تقوم بذلك تتحول من « كتابة » إلى ضرب من « خيانة الكتابة » ، أي إلى « أمية » تتعثر بالحروف وتخاف من مقاربتها . كتابة « علوم الأذكار » ، إذا ، هي كتابة « الأمّية » ، لا بمعنى الكتابة التي لا تكتب ، بل بمعنى الكتابة التي تخون رسالتها الاتصالية ، لتبشر بعوالم جديدة لم يسبق للغة والكتابة أن وصلتاها من قبل . هكذا ترتفع الكتابة في علوم الأذكار من مرتبة « الأداة » و « الوسيلة » إلى مرتبة « البشير » و « المستكشف » . وبذلك أيضا تنتقل من المستوى المعرفي الخالص كأداة تجريبية للتلمس ، إلى المستوى