محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
15
الاعمال الصوفية
توفي عام 412 ه ، أي في القرن الخامس » « 10 » . ويعلل اليوسف غياب كتابات النفّريّ عن أبناء جيله ومن تلاهم بأسباب اجتماعية تتمثل في الأزمة التي تعرض لها التصوف بعد محنة الحلاج . يقول : « من المحتمل أن تكون محنة الحلاج قد أثرت تأثيرا سلبيا على جيل بكامله من الصوفيين ، وهو جيل النصف الأول من القرن الرابع ، أي جيل النفّريّ . ويبدو أن النفّريّ قد التزم بمبدإ الحذر والتقيّة ، أو مبدأ التكتّم والتحفّظ على ما يكتب أو يعتقد . وربما كان هذا هو السبب الذي جعله مجهولا لدى كتاب عصره البارزين » ( ص 25 ) . لن نستعجل الإجابة عن هذا السؤال ، ما لم نفحص موقف النفّريّ من الكتابة أصلا . عند شرح التلمساني لمقولة النفّريّ : « هذه عبارتي وأنت تكتب ، فكيف وأنت لا تكتب » في « موقف أنت معنى الكون » ، يلاحظ التلمساني الثنائية الضدية ، أو تردد النفّريّ في استواء الأضداد عند مواجهته لاستقطاب الكتابة ، فيقول : « معناه هذا تعرّفي إليك ظاهرا جليا عن الشكّ ، خليا من الشرك ، وأنت لست بأمي ، فكيف لو كنت أميا . وهنا سرّ لطيف ، وهو أن الأميّ أقرب إلى الحضرة الإلهية من الكاتب الحاسب ، ولذلك قال النبيّ عليه السلام : « نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب » . فافتخر بذلك له ولأمته عليه السلام . وسبب ذلك بقاء الفطرة الإلهية على بساطتها وسذاجتها ليكون ما يرد عليها هو علمها ، لا ما ينتجه فكرها . فإن الفكر عندنا كفر ، إلا للعباد الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض . وذلك في مقام الإيمان ، لا في مقام العرفان . وأنت تعرف أن لكل مقام مقالا ، ولكل مجال رجالا . فنعود ونقول : ليس المراد أن يقبّح له أن يكتب ما يرد عليه من التعرفات ، فإنه قد أمره بذلك في موقف آخر ، وهو قوله : « اكتب ما أتعرّف به إليك تكن أثبت لقدمك ، وأسكن لقلبك » . فلو كان المقصود في هذا التنزل تنقيص [ قيمة ] نفس الكتابة ، لتناقض القول . وليس في هذا الكتاب تناقض أصلا . ومن اعتبر ذلك حقق ما قلت . فإذا ، المراد به أن الأميّ أقرب إلى تلقي الحقيقة من الكاتب ، فكيف من اشتغل بعلوم الأفكار ، المناقضة لعلوم الأذكار » « 11 » . في « موقف ما لا ينقال » كان النفّريّ أيضا قد تعرض لموضوعة الكتابة : « إن لم
--> ( 10 ) يوسف سامي اليوسف : مقدمة للنفريّ ، دار الينابيع ، دمشق ، 1997 ، ص 24 . ( 11 ) التلمساني ص 92 .