الحكيم الترمذي

90

كيفية السلوك إلى رب العالمين

وهل لعبد مشيئة وهو يعلم أن مشيئته ناسخة لجميع المشيئات ، وأن المشيئات كلها تتعطل ، وتصير هدرا لما برز من مشيئة اللّه - تعالى - التي شاء ثم قدر ثم شاء [ ثم ] أمضاه ؟ . فتلك المشيئات التي تردّد فيه ، فيلاحظها بغير قلبه ، ثم يترك الخطوات بتردد حتى تصير فكرة ، ثم تصير الفكرة بحلاوة في العروق ، وتتشرّب العروق مشيئة النفس والهوى ، فتلك غيوم وحجب للقلوب ، فهذه مسارقة يسرق قلبه من اللّه ؛ لأن شرط اللّه مع الآدمي أن يكون قلبه له ، وسائر الجوارح للقلب ، وأن يكون القلب يحبّه ، فإن أحبّ غيره فبحبّه يحبّه ؛ لأنه خلقه وصنعه وفعله حتى يكون مرجع ذلك كله إلى حبّه وفرحه ، فإذا ذهب بقلب إلى اللّه ، معتقا له من رقّ النفس بعظيم المجاهدة ؛ لم يذهب فيسارقه ، فهذا هزء ولعب ، فإذا حضر القلب حتى يترك المسارق صفاه اللّه عزّ وجل . قال له قائل : ما حضور القلب ؟ قال : أضرب لك مثلا ، أليس اللّه خلق شهوة النساء وحبهن وزينتهن فيك ، وأعلمك ذلك في تنزيله حيث يقول : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ [ آل عمران : 14 ] قال : نعم ، قال : أليس قد أدّبك كيف تأتي هذه الشهوة ؟ وبأي مقدار ؟ ومتى ؟ فما كان من ذلك بإذنه فهو النكاح ، وما كان بغير إذن فهو السفاح والزنا ؟ فإذا ترك الأدب ، أليس قد أمر بأن يرجم ويقتل بالحجارة ؟ قال : نعم ، قال : أليس يجب هذا عليه إن كان محصنا ؟ قال : فمتى يحصّن الرجل ؟ قال : إذا وجد حرّة مسلمة فقد صار مسلما قد حصّن شهوته بوفارة ما وجد ؛ لأن الأمة فيها نقص ، وفي غير المسلمة نقص ، فإذا اجتمعت الحريّة والإسلام توفر وكمل ، ولم يبق لك حجة . فهناك إذا تركت الأدب ، فزنيت [ بامرأة ] فأمرت بأن تقتل رجما بالحجارة ، وكذلك هاهنا ما دمت في حب الطاعة ، وفي حب الزهادة ، وحب التقوى ، وحب العطايا ، فإنما يحب هذا كله من أجل اللّه ، ولكن حبك اللّه ذو شعب ولكل حب علاقة ، ولم تصل بعد إلى أصل الحب الذي اشتعب هذه الشعب ، فإذا وصلت إليه فقد حصن قلبك وعف ، وترك المسارقة ؛ لأن قلبك هاهنا قد امتلأ بحبه ، وفاض إلى صدره والعروق من الحلاوة . فكذلك قال : ولست أسكن البيوت ، وأي بيت يسعني ، من طلبني فإني في قلب العفيف الودع اللين .