الحكيم الترمذي

91

كيفية السلوك إلى رب العالمين

فالعفيف قد صار قلبه محصنا ، قد عفّ عن [ تلك ] الحلاوات ، لما وجد من وفارة حب اللّه ، وامتلأ منه ، والوادع التارك الساكن عن الشهوات التارك لها ، واللين الذي لان قلبه بالرحمة التي غمس فيها ، ورطب في ذاته ، فهو لين متين ، كالكرم لين رطب منقاد ، وكعصف بعض هذه الأشجار اللينة شبه الخيزران وأشباهها ، إن ثنيتها انثنت ولم تنكسر ولم تنقطع ، فإنما لان القلب للعفة ؛ لأن الشهوة حارة تيبس القلب فيصير كزّا ، أي ، صلبا شديدا ، فإذا عفّ وانغمس فعندها صار القلب للّه يمسكه صاحبه للّه ، فأظهر ربنا وجوده على العرش ، وأظهر وجوده هاهنا في مثل هذا القلب ؛ لأن هذا القلب سبيل إلى العرش بين يديه ، فإن كان هاهنا وجوده ، فهو الذي يستعمله . وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم فيما روي عن ربه - تبارك وتعالى - : « فإذا أحببت عبدي كنت سمعه وبصره ويده ورجله وفؤاده ، فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي ، وبي يعقل » « 1 » . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ أسرق السرّاق من يسرق صلاته » « 2 » ، فإذا كان أسرق السراق من يسرق صلاته من اللّه ، فما ظنك من سرق قلبه من اللّه حتى يذهب بغمامة قلبه منه ، حتى يبقى القلب كالمعلّق بشعرة فإذا انقطع ذهب ؟ . ولذلك قال : يا موسى حبلك مني لم يصل بحبل غيري . وذلك قوله - تعالى - : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها [ البقرة : 256 ] أي لا انقطاع لها من اللّه . فهذا العبد حين آمن باللّه ، تعلّق به حبّا ، واستمسك بالعروة الوثقى ، ثم لا يزال يسرق قلبه ، ويوهن عقدة العروة ، حتى يكاد ينحل ، وينقطع من ضعفه ورقّته . فجهد العبد الآن في ترك كل المشيئة ، فهي منهم في أمن ، اتهموا تلك المشيئة ؛ لأنها خرجت من نفس خائنة ، وقلب مائل ، فهذه رياضة الصادقين في سيرهم إلى اللّه ،

--> ( 1 ) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، في بيان عدد الأبدال وصفاتهم ، [ 1 / 4 - 265 ] . ( 2 ) روى نحوه الحاكم في المستدرك ، باب التأمين ، حديث رقم ( 835 ) [ 1 / 353 ] وابن حبان في صحيحه ، ذكر اثبات اسم السارق على الناقص الركوع . . ، حديث رقم ( 1888 ) [ 5 / 209 ] وروى نحوه غيرهما ونصه : « يسرق صلاته قال لا يتم ركوعها ولا سجودها » .