الحكيم الترمذي

67

كيفية السلوك إلى رب العالمين

وانكشاف الغطاء . يقال في اللغة : شكر فاه يشكره : أي أبدى عن أسنانه شيئا ما ، ولا يكون ذلك حتى يبديه ، فالشكر : هو انفتاح عين القلب حتى يرى ، والشكر : هو رؤية ضعفه في الأشياء ؛ فذلك حقيقة الشكر . ثم في الشكر طبقة أعلى من هذا وهي : رؤية ما جرى في الذكر قبل التدبير ، ثم في الشكر طبقة أعلى من هذا ، وهي : رؤية المشيئة والقسمة للحظوظ ، ثم في الشكر طبقة أعلى من هذا ، وهي : رؤية العلم في الفرديّة والأحديّة ؛ فهذه كلها حقائق الشكر ، فالشاكرون على درجاتهم ، كلما جازت رؤية درجة فمثبوتة على الشكر على قدر رؤيته في درجته . فالشاكرون شكروه قلبا ، وحمدوه قولا ، فالقول كالقوالب فإذا صارت الأقوال إلى اللّه قامت بين يديه في مقام الحمد . فمنهم : من قوله قالب خال ليس هناك إلا قول ، فبشّر الرب بحرمة توحيده ، ويكتب له ثوابه . ومنهم : من قوله مشحون بالنور ولا إشراق له ، إلا أن القلب ممتلئ بالنور ، فكلّما ازداد صاحبه حمدا كانت له كجمرة تزداد توقدا حتى يضيء البيت ، وهو قوله - تعالى - : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] . ومنهم : من قوله مشحون بالنور وله إشراق ، إذا أقام الحمد بين يديه ؛ أشرق فأخذ تلك الفسحة فامتلأت ، وصار إلى عيش الحمد ، فلحق بحمد المولى الذي حمد به نفسه . مسألة في التقوى : وأمّا التقوى ، فإن التقوى على خمسة أنواع : تقوى اللّه ، وتقوى الرب ، وتقوى اليوم ، وتقوى النار ، وتقوى الأرحام . فأمّا تقوى اللّه فإن يتّقي أن يولّه إلى أحد سواه ، ثم للوله حدود ودرجات ، فواله يوله إلى الأوثان حتى يعبدها دونه تعالى رجاء نوال من الأوثان ، وهو قوله تعالى : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] . وواله يوله إلى من تجري المضار والمنافع على أيديهم حتى يتيقّن بهم ، ويتعلق قلبه بهم ، فيعصي اللّه في جنبهم ، وواله يوله إلى أعماله حتى يتّكل عليها ، يرجو الفوز والنجاة بها غدا .