الحكيم الترمذي
47
كيفية السلوك إلى رب العالمين
والعقل له أسماء أخر ، يسمّى حلما ، ونهى ، وحجرا ، وحجى ، قال اللّه تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى [ طه : 54 ، 128 ] ، وقال : هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ( 5 ) [ الفجر : 5 ] . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم » « 1 » . وقد قيل إن العقل يعقل النفس عن متابعة الهوى كما يمنع العقال الدابة من مرتعها ومرعاها . والعقل اسم غير متبدل وهو اسم عام ، ولا يستعمل تصريف هذه الأسماء إلا منه ، يقال عقل ، يعقل عقلا فهو عاقل وذلك معقول عنه . وقال اللّه تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ الروم : 24 ] . وهو أن يعقل عن اللّه أمره ونهيه ومواعظه ووعده ووعيده ويفهم مراده في الأشياء على قدر ما يوفّقه ويكشف له من تعظيم أمره واجتناب مناهيه . وهذه كلها لا توجد إلا بلطف اللّه وحسن نظره إليه فيفضّله على غيره باللب الموصوف والنور المعروف . وهو فقيه في أصول الدين وفروعه ، وليس كل من يكون فقيها في الفروع فقيها في الأصول ، لأن الفقه في علم الأحكام كثير وهو فقيه بالتفقه وهو حامل الفقه والعلم ، والفقه اسم للعلم يعبّر بهذه اللفظة عنه ، يقال فلان يتفقه ويتعلم . وأما الفقه في حقيقته فهو فقه القلب ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ربّ حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » « 2 » . وقال الحكيم : « ليس بفقيه من لم يعدّ البلاء نعمة والرضاء مصيبة » « 3 » وقال الحسن : « إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بذنبه والمواظب على طارعة ربّه » « 4 » ، وقد بيّنت في صدر الكتاب أن فقه المتعلم موضعه في باطن الصدر ، ويزداد نوره بالتعلم والاستعمال ، ويتفرّع له أنوار الفقه
--> ( 1 ) رواه أبو عوانة ، في المسند ، باب إيجاب تقدم أولي الأحلام والنهي عن الإمام ، حديث رقم ( 1381 ) [ 1 / 381 ] . ( 2 ) رواه أبو يعلى في المسند ، عن جبير بن مطعم ، حديث رقم ( 7413 ) [ 13 / 408 ] . ( 3 ) ورد بلفظ : « ليس بمؤمن مستكمل الإيمان من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة » رواه الطبراني في الكبير ، عن ابن عباس ، حديث رقم ( 10949 ) [ 11 / 32 ] ورواه الديلمي في الفردوس عن ابن عباس ، حديث رقم ( 5241 ) [ 3 / 407 ] . ( 4 ) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ، من كلام الحسن البصري حديث رقم ( 35188 ) [ 7 / 186 ] ورواه الدارمي في السنن ، من باب من قال العلم الخشية ، حديث رقم ( 294 ) [ 1 / 101 ] ورواه غيرهما .