الحكيم الترمذي

48

كيفية السلوك إلى رب العالمين

والفهم ، فيستنبط بنور فقهه مسائل ، ويقيس ما لم يعلم بما يشبهها ويشاكلها ويقرب من معناها . وأما الفقه في الدين فهو النور الذي يقذف اللّه تعالى به في قلب عبده المؤمن ، مثل السراج ، يبصر به ، ولا يكون ذلك للكافر والمنافق . قال اللّه تعالى : « وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ » [ المنافقون : 7 ] . وأما الفقيه الذي نوّر اللّه قلبه بنور البصر فالذي أشار إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أراد اللّه بعبد خيرا فقهه في الدين وبصّره عيوب نفسه وبصّره بداء الدنيا ودوائها » « 1 » . فمن جمع اللّه تعالى فيه كلا الفقهين ، فهو الكبريب الأحمر والعالم الأكبر واللبيب الأوفر . فأما استنباط الفقيه في الأحكام فهو استنباط المسائل على موافقه السنة وإقامة الشريعة ، وأما استنباط الفقيه في باطن العلم فهو استنباط الخواطر على موافقة الحقيقة ومشاهدة الربوبية . وإنما تتبين زيادة الفصل بينهما في استنباط معنى في الباطن والظاهر لآية قد أنزلها اللّه تعالى ، يوجب ظاهرها حكما ، ويكون تحت ظاهرها ، من العبارة التي في باطنها ، إشارة وعلم . فيستنبط ما يوافق حجة اللّه تعالى ، ويستنبط الحكيم ما يوافق مراد اللّه تعالى ويهدى إلى محجّته بما تبين من لطائف الإشارات موافقا للتوحيد ومخبرا عن مراد يوافقه الحميد . الفصل السّادس والأنوار التي وصفتها في صدر الكتاب مثل نور الإسلام ونور الإيمان ونور المعرفة ونور التوحيد ، وإن كانت أسماؤها مختلفة ، فهي أشكال غير أضداد ، ويتولد من كل نور منها فوائد على حدة ما لا يتولد من الآخر على قدر مراتبها . فنور الإسلام يتولد منه خوف ورجاء ، ونور التوحيد يتولد منه خوف ورجاء ، ونور الإيمان يتولد منه خوف ، ورجاء ، ونور المعرفة يتوالد منه خوف ورجاء ، وكذلك سائر الأحوال التي تهيج من القلب وتتوالد من أنوار الباطن مثل الشكر والصبر والمحبة والحياء والصدق والوفاء وغيرها ، ولكن أشرح بتوفيق اللّه تعالى هذا الفصل الواحد . فاعلم أنه يتولد من نور الإسلام خوف الخاتمة ورجاء حسن العاقبة ، قال اللّه

--> ( 1 ) رواه بنحوه ابن أبي شيبة في المصنف ، في الفقه في الدين ، حديث رقم ( 8 - 31049 ) [ 6 / 240 ] ورواه البزار في المسند برقم ( 1700 ) [ 5 / 117 ] وروى نحوه غيرهما .