الحكيم الترمذي
164
كيفية السلوك إلى رب العالمين
فالمؤمن القوي هو الذي امتلأ قلبه من الإيمان ، وامتلأ صدره من شعب الإيمان ، وصدّقه التوكل والحياء والرّضا والقناعة والخوف والرجاء والشوق والمحبّة والتعظيم والمهابة والجلال ، ونحو ذلك من حقائق الإيمان ، وبذل النفس والرحمة والسلامة من الآفات . فإن تفاوت صلاة هذا وفضلها على غيره ، فهذا القوي ينتصب بين يدي اللّه - تعالى - بقلبه ، كما ينتصب في الظاهر بجوارحه ، فقلبه يناجي وفؤاده يناغي ، وبدنه يواجه ، وليس لقلبه التفات ؛ لأنه قد سلم صدره من الآفات ، وتفرغ قلبه منها ، ومثل من يقصد بعمل الأركان ، ويهمل شأن القلب مثل قائد دعاه الملك فعمد إلى شاكريته وخدمه ، فكساهم الرياط البيض ، وثم غشاهم من فوق تلك الرياط الديباج والوشي ، وعمد إلى خلقان دنسه ، كأن أخذها من المزابل واكتساها ، ثم لقي الملك وهو في هذه الحالة مع شاكريته وخدمه . فكذلك من طهّر أركانه من المعاصي فنقّاها ، ثم زيّنها بألوان الطاعات ، فأغفل شأن القلب وهو الملك ، وفيه الغل ، والحسد ، والغش ، والمكر ، والحمية ، والحقد ، وطلب العلو ، وحب الثناء ، والشهوة ، والغضب ، والحرص ، والشح ، والبخل ، والطمع ، وحب العز ، والرغبة ، والتجبر ، والقسوة ، والفظاظة ، والغلظة ، والطيش ، والحدة ، والعجب ، وطول الأمل ، وأمن العاقبة ، والفرح بما أعطي من الدنيا ، وقلة الرّضا عنه ، والصلف ، واليأس ، والتعلق بالمخلوقين ، والسخط في الأحوال ، والنظر في عيوب الخلق ، وقلة الرحمة ، وترك النصيحة ، والتخلق بأخلاق الشياطين . فإذا قام بين يدي اللّه - جلّ جلاله - مع هذه الآفات ، وقام آخر في خلو من هذه الآفات كلها ، وممتلئ الصدر بشعلة الأنوار ، يناجي ربه ، ملقي بين يديه سلما وخضوعا وخشوعا بان تفاوت صلاتيهما ، فإذا اجتمعا إلى صلاة فكانت صلاة واحدة ، فعلى قدرها تنزل الرحمة ، فنال الضعيف من ذلك . وروي عن كعب أنه قال : أجد في التوراة أن الرجل من هذه الأمة ليخر
--> [ 4 / 2052 ] وابن ماجة في السنن ، باب التوكل واليقين ، حديث رقم ( 4168 ) [ 2 / 1395 ] وروى نحوه غير هما .