الحكيم الترمذي

158

كيفية السلوك إلى رب العالمين

ذكر علّة القراءة بالسجدة وهل أتى وعلّة القراءة في صلاة الفجر يوم الجمعة بهاتين ، فمن أجل أن السورتين فيهما ذكر خلق آدم عليه السّلام ، وإنما خلق يوم الجمعة ، وكأنه أحبّ أن ينشر هذا الذكر في المصلين يوم الجمعة ، وأيضا فإن للّه - تعالى - في كل غداة يوم جمعة ثناء يثني به على نفسه ، ويمنّ به على الآدميين ، فأحبّ أن ينشر عن اللّه - سبحانه - في خلقه محاسن ما أتى إليهم في خلق آدم عليه السّلام وذريته . ذكر علّة أوقات الصلاة وأمّا علّة أوقات الصلاة : فإن صلاة الصبح آية عظيمة ، وهو مبتدأ الشمس فإذا ظهرت الآية فغيرت محقوق أن يستقر العباد قرارهم ؛ كأنهم لا يعبؤون بالآية . ألا ترى أنها إذا انكسفت ، كان من استخف بها ممقوتا ؟ ! فالانكساف تخويف وزوال : زوال النعمة وظهورها حين يبدو الطلوع للعالم نعمة من المنعم وآية من آياته ، وأيّة آية أعظم من خلق من خلق اللّه ، يبدو فيطبق الآفاق في ساعة من النهار ؟ ! وإنما سمي نهارا ؛ لأنه ينهر ذلك البياض فيجري ، ومنه سمي النهر نهرا . وإنما سمي الليل ليلا ؛ لأنه يلألئ ، فينظر الناظر إلى الأشياء فتشتبه عليه حتى يقول : هو ، هو ، ثم يقول : لا لا ، فقد لألأ الأشياء عليه ؛ ولذلك سمي اللؤلؤ ؛ لأنه يلألئ . وكذلك أصحاب الجوهر ليس من مرة يقع بصر أحدهم على اللؤلؤ ، ثم رآه مرة أخرى . ألا ترى أنه على غير هيئته الأولى ، فيقبح بالعبد أن تظهر آية من آيات اللّه وهو مستقر قراره لا يرتاع لها ولا يشرئب ، فأمر في وقت ظهور الآية أن يقوم إليه معتذرا ، جنت يداه من نكث البيعة ، وغفلته عن اللّه وعن حقوقه عليه في ليلته ، ويستقبل الخير والبركة عند إقبال نهاره وإدباره ، فتكون صلاته هذه في هذا الوقت كفّارة من تقصير ليلته ، وأساس خير في أول نهاره ، وتكتب له في صدره كتابه ، ثم مدّ له في الوقت إلى طلوع الشمس .