الحكيم الترمذي

159

كيفية السلوك إلى رب العالمين

ذكر علّة الظهر وأمّا علّة الظهر : فإن زوال الشمس سجودها للّه - تعالى - وهي مسخّرة لك قد أدت ما أمرت به ، فإذا زالت للسجود فغير جائز ألا تقوم إلى اللّه معتذرا مما أتيت راكعا وساجدا ، وكيف تحسن الغفلة ممن سخّرت له وسخرتها دوامها في العبادة . ثم أتت في وقت الزوال من متوسط المسافة بعبادة محدثة خشوعا وخضوعا ، وذلك أنها ما دامت ترتفع فهي في علو . وروي عن ابن مسعود أنه قال : « لا تأتي ساعة من نهار في وقت طلوعها إلا فتح باب من أبواب النيران ، فإذا زالت غلقت الأبواب وفتحت أبواب الرحمة » . فهذا من أجل العباد لما طلعت عليهم كفروا بنعمة اللّه - تعالى - فعبدوها من دون اللّه ولا تأتي عليهم ساعة إلا فتحت عليهم سخطة لكفرانهم ؛ لأنها كلما طلعت ازدادت الأرض ضياء وتهيئة لمعاش الآدميين ، فكلما وفرت النعم على العباد فيها ازدادوا بها كفرانا ، وإذا زالت مالت للسجود فذلك منها بمنزلة الركوع ، حتى إذا بلغت من متوسط القبة إلى موضع الانحدار انحدرت بعجلتها منحطة إلى الأرض بالسجود ، وإنما سميت عصرا ؛ لأنها عصرت الانحطاط . وإنما سميت ظهرا ؛ لأن تلك الصلاة في وقت استوائها على ظهر القبة ، والعصر في وقت عصورها من محدور القبة ، والمغرب من وقت غروبها ، والعشاء من عشو الأبصار لغسق الليل ، والفجر لانفجار الصبح من قميص الليل . وكل صلاة منسوبة إلى صفة ذلك الوقت ، فقد ذكرنا علة العصر في هذه الصفة . ذكر علّة المغرب وأمّا علة المغرب ، فلظهور سلطان الليل : وهي آية عظيمة قد بدت وطبقت الأفق ، ولف كل شيء وأدّاه إلى مأواه . قال اللّه - تعالى - : وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ ( 17 ) [ الانشقاق : 17 ] . وذلك أن النفوس تتوحش لمجيئه وتفزع إلى المأوى ، وكذلك كل دابة وكل