الحكيم الترمذي

143

كيفية السلوك إلى رب العالمين

الصلاة إنما هو القيام والقعود والركوع والسجود والجلوس ، والقراءة زيادة في الفرض ؛ لأنه قد كانت صلاة ولم ينزل بعد شيء من القرآن . وهو أول يوم أتاه جبريل عليه السّلام بالرسالة وصلى به ، فإنما جعلت القراءة في الصلاة من أجل النفس المحتاجة إلى الموعظة والقرآن في الصدر ، وأمر أن يخرجه بلسانه حتى يسمع أذنه فهم الكلام ؛ فإن الأذن قمع النفس فيصل إلى النفس وعظ اللّه - تعالى - من طريق قمعه فتقوم الحجة عليها ، من هاهنا أمر أن يستمع وينصت إذا قرئ فقال عزّ وجل : « وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 204 ) [ الأعراف : 204 ] ، فيكون أدعى لنفسك ، وذلك أنك إذا اشتغلت بقراءتك لهت نفسك وينافي فهمك إدراك ما يقرأ الإمام فإذا اشتغلت النفس بالقراءة عجزت عن فهم ما فيه فإذا أنصت تفرغت النفس للوعي لما يقرأ الإمام ؛ فلذلك اخترنا الإنصات خلفه في ما يجهر فيه فإذا كان الإمام لا يجهر فأحب إلينا أن يقرأ لتعطي النفس حظها من الوعظ ، فإن كان مفكرا مع القراءة فهو أجود له من أن يجرد الفكر له ويترك القراءة . وقال بعض العلماء : كان صلى اللّه عليه وسلم يجهر في الابتداء في جميع الصلوات فأمر أصحابه بالاستماع والإنصات ثم ترك الجهر في صلاتي النهار ، فبقى سنة الإنصات . ذكر علّة الركوع وأمّا علّة الركوع فإن العبد بين عيب وذنب ؛ فأمّا العيب : فغفلته عن اللّه - سبحانه وتعالى - فمن الغفلة جفا النعمة واستخف بها ولم يعظم منته فمن تناول نعمة من نعمه بيد الغفلة عنه فقد جفا نعمته واستخف بها وهو عبث ، وإنما أوتي ذلك من الأشر والبطر ، فإن النفس إذا غفلت أشرّت ، والغفلة من ظلمه الشهوة فصارت كغلاف وإنما هي غفلة وغفلة ؛ فالغفلة للكافر صارت ظلمة للكافر غلافا لقلبه ، والغفلة للمؤمن صارت ظلمة شهوات النفس غفلة لقلبه وكلاهما يؤديان إلى غلاف إلا أن تلك ظلمة الكفر ، وهذه ظلمة الشهوة . فقيل : لتلك غفلة لأنها قد أحاطت بالقلب ، وقيل : لهذه غفلة لأنها قد انتصبت بين يدي القلب حجابا ، فإذا رفضها كانت بمنزله سحابة تقشعت وتبددت . ومن هاهنا قول اللّه عزّ وجل : « أبعث في آخر الزمان عبدا أميا أختن به قلوبا