الحكيم الترمذي
142
كيفية السلوك إلى رب العالمين
وأيضا علّة أخرى : وهي قيام الحجة على العبد وذلك أن القرآن في الصدر ، والصدر ساحة القلب ، والنفس خالية عن ذلك كله ، فأمر بأن يخرجه من القلب والصدر إلى لسانه تلاوة ؛ لتسمع أذنه فتؤدي إلى النفس الأمّارة بالسوء تلك المواعظ فتلك والأخبار من طريق الإذن فتسمع فتقوم حجة اللّه - تعالى - عليه ، ولولا ذلك لكانت النفس خالية عما في القلب والصدر من علم الآخرة ؛ لئلا تقول النفس غدا : إني كنت غافلة عن هذا . وتصديق ذلك قوله عزّ وجل : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( 37 ) [ ق : 37 ] . والنفس لها علم ظاهر الحياة الدنيا ، وهي عن علم الآخرة غافلة ، والسمع والبصر والشم والذوق واللمس هذه حواس النفس والذهن مدبره فهذا علم النفس ، فكل حاسة تؤدي إلى النفس خبرها على حالها . وأمّا علم القلب فمن اللّه - تعالى - لأنه خزانته ، وفيه النور واليقين والحكمة وعليه يدبر العقل تدبيره ، فالذهن مدبر النفس ، والعقل مدبر القلب ، والقلب يطلب ربه ، والنفس تطلب لذتها وشهوتها ، فأيهما غلب فالجوارح تبع له . وقال اللّه - تبارك وتعالى اسمه - في تنزيله إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] ثم استثنى فقال : إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [ يوسف : 53 ] . فبالرحمة نال النبي صلى اللّه عليه وسلم النبوة حتى تخلص من شر النفس ، وبالرحمة نال الأولياء الولاية حتى تخلصوا من سوء النفس ، وبالرحمة نال المتقون تقواهم حتى تخلصوا من بلاء أنفسهم ، وبالرحمة نال الموحدون توحيده حتى تخلصوا من الشرك والشك ، وهذا كله من فضل اللّه . قال اللّه - تعالى - : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ [ الجمعة : 4 ] . ثم عظم هذا الفضل وهذه الرحمة فقال : وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ الحديد : 21 ] . وقال تبارك اسمه في تنزيله : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [ القصص : 86 ] . ولهذا زجر العلماء عن القراءة خلف الإمام فيما جهر الإمام فيه ؛ لأن أصل