الحكيم الترمذي
129
كيفية السلوك إلى رب العالمين
فالمخالف يتأوّل عليه في هذه الآية ما يحيّره ويشبه عليه ، فيقول : هذه ندبة ، وقد ندب إليها . ألا ترى أنه يقول في إثرها : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ [ البقرة : 137 ] ، ولم يقل : فإن قالوا بمثل ما قلتم به فقد اهتدوا ، فإذا كانت الآية وحكمة الآية إلا كأخذ بالنفس كافية باليقين ؛ لأن اللّه - تعالى - دعا الخلق إلى أن يعرفوه فيوحدوه قلبا ، فلو اكتفى منهم بذلك ولم يقتضهم الإقرار به ؛ فكان إذا عرفوه ووحدوه ؛ حرّمت دماؤهم وأموالهم وأعراضهم وصاروا أحباء في ذمته ، كان ذلك سرّا فيما بينهم وبينه . فمتى كانت تقوم حجة اللّه - سبحانه - على من تناول منّا دما أو عرضا أو مالا ، فيقتصّ لهم في الدنيا ، وينتقم لهم في الآخرة ؟ ! فمن تناولهم ؛ فاللّه - تعالى - يقاصّهم في تلك العرصة يوم القيامة ، ويمدّ ذلك اليوم طولا ؛ ليبرز عدله على الجميع ؛ فيهلك في عدله من هلك ، ثم يهطل فضله على أهل رحمته حتى لا ينجو أحد ممن نجا إلا بفضله وبرحمته ، فإذا لم تقم الحجة في دار الامتحان كيف يقدّر عدله هناك عنده ! فإن سأله : ما حملك على سفك دم عبدي وعلى تناول عرضه أو ماله وهو في ذمتي وذمة الإسلام الذي قبله منّي ؟ قال : لم أعلم أنه في ذمتك ، ولا علمت ما في قلبه لك من المعرفة والجهل والتوحيد والشرك ، فاقتضى اللّه العباد الإقرار بالإيمان ؛ لتكون حجة - اللّه - تعالى قائمة ، كما بعث اللّه الرسل ليبين لهم ؛ لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل أن يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير . فهذه علة الإقرار ، صيّر اللّه - تبارك وتعالى - اسمه هذه الكلمة عصمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة . فأمّا في الدنيا : فحرمة الدم والعرض والمال . وأمّا في الآخرة : فإن كان مسيئا فمرّ على حدّ النقمة ؛ فنالته ألسنة النار وشرورها ولهبها ، نوديت النار : أن لا سبيل لك على لسانه الذي كان مدرجه توحيدي . ولذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل النّاس حتى يقولوا : لا إله إلا