الحكيم الترمذي

119

كيفية السلوك إلى رب العالمين

[ المقدمة ] بسم الله الرحمن الرحيم بسم اللّه الرحمن الرحيم والحمد للّه رب العالمين ولي الحمد وأهله . أمّا بعد . . . فإنك سألتني عما اختلف الناس فيه من إثبات العلل في الأمر والنهي . فقال قائلون : هذا تعبّد من ربنا ، خلقهم فتعبدهم للأمر والنهي ، وليس لأمره علة ، وإنما هو امتحان وابتلاء . وقال آخرون : هو ابتلاء وامتحان تعبدهم به ، وليس يدفع هذا أحد منّا ، ولكن عللها قائمة علمها من علمها ، وجهلها من جهلها . وسألتني أن أشرحها بمبلغ علمي ، فاعلم أن اللّه - تعالى - خلق الخلق عبيدا ليعبدوه فيثيبهم على العبودة ، ويعاقبهم على تركها . فإن عبدوه فهم اليوم عبيد أحرار أخيار كرام ، وغدا أحرار وملوك في دار السلام ، وإن رفضوا العبودة فهم اليوم عبيد أبّاق سفلة لئام ، وغدا عبيد أعداء في السجون بين أطباق النيران . فأول ما اقتضى العبيد معرفته ثم توحيده اعترافا به وقبولا للعبودة وهي الأمر والنهي ، ثم اقتضاهم الوفاء بذلك إلى يوم الممات ، فمن وفي له بذلك سقط عنه الوزن والحساب ، ودخل دار السلام . ومن عرف واعترف بما عرف ، وهو القول به ، وقبل العبودة ، ثم وفّى ببعض العبودة وضيع بعضا ، وقع في الوزن والحساب ، واحتبس عن دار السلام في موضع الوزن والحساب على قدر الوفاء والتضييع . فيقال لهذا الذي نفى العلة ، وقال : هو ابتلاء وامتحان ، فهذا الابتلاء لاستخراج سرائر العباد ، فإنهم قد نطقوا بالتوحيد . والذي انضمر عليه العباد لا يعلمه إلا علّام الغيوب ، فامتحنهم بالأمر والنهي ؛ ليظهر ما في القلوب ، فإذا أثاب وعاقب وقدّم في الثواب وأخّر ، وكان عذره ظاهرا في عرصة القيامة ، فلم يتحير الخلق في قضائه وعدله ، يوم يجمع اللّه الملائكة والرسل وسائر الجنود الذين لا يحصون .