الحكيم الترمذي
101
كيفية السلوك إلى رب العالمين
المستدرك الثالث « باب في تفاوت المعرفة والإيمان والتوحيد وما يشبه ذلك » . قال أبو عبد اللّه - رحمه اللّه - : فالمعرفة إذا عرف اللّه بقلبه واطمأن إليه فاستقر قلبه ، فهي معرفة ، ومبدؤها من اللّه - تبارك اسمه والموحّدون استوجبوا اسم العارف ، إلا أنهم تفاوتوا في تصديقه بالعمل والخدمة ، فأكثر وفاء بها أوفرهم حظّا منها ، وأخلصهم في ذلك أصدقهم . وأمّا كمال المعرفة ، فإذا زالت المعرفة لم يبق معه شيء والخائف على نفسه محمود ؛ لأن النفاق عزل الإيمان . ورد : « والغيلان سحرة الجن » « 1 » ، فكما أن الغيلان يسحرون الآدميين حتى يضلوهم عن الطريق في المفاوز ، فكذلك النفاق يدخل من حيث بصائر الهدى حتى يضله ، والسرور للمذنب والمطيع غرور ؛ لأن المذنب لم ينكشف له الغطاء عن حكم اللّه عزّ وجل فيه ، والمطيع لم ينكشف له عاقبته ، فالسرور على ماذا ؟ هذا على الأغلب ، وقد يكون أن يعتريه في بعض الحالات ما يرى من تدبير اللّه فيسرّ به ، وإن كانت نفسه معه فقير مأمون في السرور . وأمّا ما ذكرت من حقائق الخصال التي ذكرت من الإيمان والتوحيد والاستغفار والحمد وما أشبه ذلك ، فإنما يعرف حقائق هذه الأشياء أهلها ، فإذا وصلوا إليها شهدت العقول لهم بتلك الحقائق ، وعلامة حسن الاستماع أن يفرغ فؤاده لقول القائل ، وأن اللّه - تبارك وتعالى اسمه - صنع للموحّدين صنعا جميلا أن قيّد نفوسهم بحسن تخوّف العقوبة وخوف العاقبة ، فالمدبر والمطيع لن يخلوا من ذنب واحد قد اقترفاه ، فاستوجبا بذلك الذنب الواحد عقوبة ، فطوي عنه خبر العقوبة في هذه الدار . هكذا قيّدوا بهم وعليهم العاقبة ، حتى إذا أرادت النفس أن تنفسح في الأمل والرجاء للموحّدين قيّدها باتهام العاقبة ، فالخوف أصلح للنفس ، فإذا جمع اللّه لعبد الخوف والآخرين ؛ فقد صانه وربط الأسد الذي في جوفه ، فالصادقون في هذا المحل منه ، والصدّيقون كذلك خوفهم أشد وأحزانهم أدوم ، ثم إن للّه خاصة من عبيده أعلى من الصدّيقين ، وهم أقل في أرضه من عدد الأصابع ، قد احتشت قلوبهم منه وبه ، فهم
--> ( 1 ) رواه عبد البر في التمهيد من كلام أبي عمرو بن العلاء ، [ 18 / 310 ] .