الحكيم الترمذي
69
غور الأمور
وذلك أنه إذا لم يستعملهن في كل وقت ، ونسي صنيع ربه به ، وما أكرم به من النفخ والنور والقربة يوم آدم ، ولم يذكرها ، ولم يحفظها بالفهم والذهن لم يعرف ربه يوم الميثاق ، إذ لم يكن عنده ما يستدل به على كلامه وقربته ونوره الذي نالهم وهم في كفه « 1 » . فالمعرفة واستعمال تلك الخمسة على العد مطالب بهن ، ومحاسب عليهن ، محمود على استعمالهن ، مذموم على تركهن . ونور المعرفة من الرب ليس إلى العبد منه شئ ، ولا له عليه ذم ولا مدح ، إذ كان ذلك من فعل اللّه بعبده وإكرام له به . فإذا استعمل العبد تلك الخمسة . خرج النور من المعرفة ، لأن النور يتمكن فيها ، والمعرفة متمكنة في تلك الخمسة فإذا استعملهن خرجت المعرفة ، فإذا استعمل
--> ( 1 ) هذه مسألة تحتاج إلى تحقيق ، حيث نجد إشارة صريحة في النصوص الدينية على أنه تعالى أخذ عليهم الميثاق أي على الأرواح في يوم الذر - وهم في كفه تعالى . ونجد أحاديث عديدة في تفصيل كيفية أخذ الميثاق ، ونجد إشارة لمسألة الكف واليدين ، ومن ذلك ما رواه الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لما خلق اللّه آدم مسح ظهره ، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة ، وجعل بين عيني كل رجل منهم وبيصا من نور ، ثم عرضهم على آدم . . الحديث ) . والإشارة الصريحة للكف نجدها في قوله صلى اللّه عليه وسلم مما رواه ابن جرير وأنب مردويه عن هشام بن حكيم رضى اللّه عنه ( إن اللّه عز وجل قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ، ثم أشهدهم على أنفسهم ، ثم أفاض بهم في كفيه ، ثم قال هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار ، فأهل الجنة مسيرون لعمل أهل الجنة ، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار . كما نجد إشارة إلى نثرهم بين يديه تعالى في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن ابن عباس رضى اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال ( إن اللّه أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة ، فأخرج من صلبة كل ذرية ذرأها فنشرها بين يديه ثم كلمهم قال ( ألست بربكم . . ) .