الحكيم الترمذي
70
غور الأمور
المعرفة بدر النور المتمكن فيه وهو نور المعرفة . فالتقى النور الميثاق الذي غشيهم ، وسطع من الجليل عنه التجلي فتشا كلا ، ولم يتشابها ، دلا على ربهما ، فاستدل العبد على ما سطع يوم الميثاق بما كان عنده من النور الذي وضع في آدم ، فدل كل واحد منهما على نفسه آمن العبد وأيقن واستقر وعرفه . ومثل ذلك مثل القدح . فالنور كالنار ، والمعرفة كالحديد متمكن فيه النار ، وهو النور الأول يوم المقادير ، والحجر التجلي ، يوم الميثاق ، والنور متمكن فيه ، والقلب كالقطنة المندوفة « 1 » ، فلما قدح « 2 » العبد الحجر بالحديد ، خرج منهما النار ، فالتقيا على القلب قبلهما القلب ، فنوّراه ودلاه على اللّه عز وجل . وأما الكافر فإنه لما سطع نور الجليل على عينه يوم الميثاق ، وناله فمسه الكف ، وقربه الكلام لم يكن عنده ما يستدل به عليه فيعرفه ، تاه وتحير ، وذلك أنه نسي الصنيع الأول بترك استعماله تلك الخمسة ، وصارت حديدته وهي المعرفة ، كأنه لا ماء فيها ، فلم يعمل ذلك السطوع وتلاشى النار ، وبطل ، ولم يقبل القلب ، إذ لم يجد شاهدا على ذلك ، فصار مشتبها مشركا قال اللّه تعالى أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ « 3 » . فالبينة التي هي من ربه هي النور المقاديرى ، والشاهد الذي يتلو من النور الميثاقى ، وقال : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ « 4 » ، وقال :
--> ( 1 ) المندوفة : أي المنفوشة . ندّف القطن ندفا : نفشه بالمندف ليرق ، فهو مندوف ، ونديف . ( 2 ) قدح بالزند قدحا : ضرب به حجره لتخرج النار منه . ويقال : قدح النار في الزند : أخرجها منه . وقدح الزّند : ضربه بحجر ليخرج النار منه . ( 3 ) سورة هود / الآية 17 . ( 4 ) سورة الأنفال / الآية 42 .