الحكيم الترمذي

68

غور الأمور

الميثاق « 1 » ، وضعهم على كفه فمآلهم قربته فاستعملوا الأشياء الخمسة ، فدلتهم تلك القربة على هذه القربة . إن كلاهما من الرب الرحيم فأيقنوا به فلما كلمهم دلهم نفخ الروح على أن الكلام من الذي نفخ الروح يومئذ ، إذ كان له عندهم بينة عليه فيه ، ثم لما تجلى لهم عن وجهه الجليل سطع منه نور على وجوههم ، وغشيهم به دلهم ذلك النور الذي وضع في أبيهم ، وهو نور المعرفة على أن النور الذي غشيهم اليوم من الجليل الجميل ، فعرفوا ربا واحدا فردا صمدا . وذلك أنه لما اتفق النوران والتقيا سطع على أعين قلوبهم النوران الربانيان دلالهم على ربهم الفرد الواحد ، فعرفوه وأيقنوا به . ويرون ذلك كله باستعمال تلك الخمسة التي وصفنا . فالعبد في استعمالهن محمود ، وفي تركهن مذموم على كل حال ، وفي كل وقت ، وفي كل مكان .

--> ( 1 ) يوم الميثاق ، وهو يوم الذر ، حيث أخرج تعالى من ظهور بني آدم بعضهم من بعض ، وجعل لهم عقولا كنملة سليمان ، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم وأنه لا إله غيره ، فأقروا بذلك والتزموه ، وأعلمهم بأنه سيبعث إليهم الرسل ، فشهد بعضهم على بعض . وقيل : إنه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد ، وأنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها . وهذا ما نجده في قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ الأعراف آية : 172 . وألفاظ الآية تقتضى أن الأخذ إنما كان من بني آدم وليس لآدم في الآية . ووجه النظم على هذا : وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم . وإنما لم يذكر ظهر آدم لأن المعلوم أنهم كلهم بنوه ، وأنهم أخرجوا يوم الميثاق من ظهره . فاستغنى عن ذكره لقوله ( من بني آدم ) .