الحكيم الترمذي
6
غور الأمور
لا أمل من قراءته . إنه كان ليقيمنى ذلك إلى الصباح ، ووجدت حلاوته . فأخذت أتتبع من الكتب محامد الرب - تبارك اسمه - والتقاط محاسن الكلام ، من طريق العظات ، وما يستعان به على أمر الآخرة ، واسترشد في البلاد ، فلا أجد من يرشدنى في الطريق ، أو يعظنى بشئ أتقوى به ، وصرت متحيزا لا أدرى أي شئ يراد لي . . إلا إني أخذت في الصوم والصلاة ، فلم أزل كذلك حتى وقع في مسامعى كلام أهل المعرفة . ووقع إلى كتاب الأنطاكي ، فنظرت فيه ، فاهتديت لشئ من رياضة النفس ، فأخذت فيها ، فأعانني اللّه ، وألهمت منع الشهوات نفسي ، حتى صدرت كأني أعلم على قلبي الشئ بعد الشئ ، حتى ربما كنت أمنع نفسي الماء البارد ، وأتورع عن شرب ماءالأنهار ، فأقول : لعل هذا الماء جرى في موضع بغير حق ، فكنت أشرب من البئر ، أو من الوادي الكبير . ووقع على حب الخلوة في المنزل ، والخروج إلى الصحراء ، فكنت أطوف في تلك الخربات والنواويس حول الكورة « 1 » . فلم يزل ذلك على دأبى ، وطلبت أصحاب صدق يعينوننى على ذلك ، فعز على ، فاعتصمت بهذه الخربات والخلوات . فبينما أنا على هذه الحال إذ رأيت - فيما يرى النائم - كأني أرى رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلّم دخل المسجد الجامع في كورتنا ، فأدخل على أثره ، فألزم اقتفاء أثره ، فما زال يمشى حتى دخل المقصورة ، وأنا على أثره ، ومن القرب منه ، حتى كأني أكاد ألتزق بظهره وأضع خطاى على ذلك الموضع الذي يخطو عليه ، حتى دخلت
--> ( 1 ) النواويس : المقابر - والكورة البقعة التي يجتمع فيها قرى ومحال .