الحكيم الترمذي
7
غور الأمور
المقصورة ، فرقى المنبر ، فرقيت على أثره ، كلما رقى درجة رقيت على أثره ، حتى إذا استوى على أعلاه درجة قعد عليها ، فقعدت عند الدرجة الثانية من مجلسه عند قدميه ، ويميني إلى وجهه ، ووجهي إلى الأبواب التي تلى السوق ، وشمالي إلى الناس ، فانتبهت من نومى وأنا على تلك الحال . ثم من بعد ذلك بمدة يسيرة ، بينما أنا ذات ليلة أصلى ، فثقلت ، فوضعت رأسي في مصلاة جنب فراشي ، إذ رأيت صحراء عظيمة ، لا أدرى أي مكان هو ، فأرى مجلسا عظيما ، وصدرا مهيئا لذلك المجلس ، وحجلة « 1 » مضروبة ، لا أقدر على صفة تلك الثياب ، وذلك الستر ، فكأنه يقال لي : إنه يذهب بك إلى ربك ، فأدخل تلك الحجب ، فلا أرى شخصا ولا صورة . إلا إنه وقع في قلبي أنني لما دخلت وقع على الفزع في ذلك الحجاب ، فأيقنت في منامي بالوقوف بين يديه ، فما لبثت أن رأيت نفسي خارجا من الحجب ، بالقرب من باب الحجاب ، واقفا وأنا أقول : عفا عنى ، وأجد نفسي قد سكنت من الفزع ، فدام لي شأن رياضة النفس من تجنب الشهوات ، وقعود في البيت على عزلة من الخلق ، وطول نجوى من الدعاء ، فانفتح له شئ بعد شئ ووجدت في قلبي قوة وانتباها ، وطلبت من يعينني ، فكان يكون لنا اجتماع بالليالي نتناظر ، ونتذاكر ، وندعوه ونتضرع بالأسحار . فأصابتنى غموم من طريق البهتان والسعايات ، وحمل ذلك على غير محمله ، وكثرت القالة ، وهان ذلك كله علىّ ، وسلط علىّ أشباه ممن ينتحلون العلم ، يؤذوننى ويرموننى بالهوى والبدعة ، ويبهتون « 2 » وأنا في طريقي ، ليلا ونهارا ، دءوبا
--> ( 1 ) الحجلة : الستائر . ( 2 ) يبهتون : يدهشون .