الحكيم الترمذي
47
غور الأمور
[ بين آدم وإبليس ] رجعنا إلى ما كنا فيه : فلما أكرم اللّه تعالى آدم - عليه السلام - وأبرز فضله على جميع الخلق ، وأمره بالسجود له . تكبر ، وأنف أن يسجد لشئ دفّع من تحت قدميه أدنى شئ وأخسه ، وقال : " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " « 1 » . ذكر جوهره ، والنار من النور ، والنور من العزة . فأنا أحق أن يسجد لي ، ثم ذكر جوهر آدم وخلقته من طين والطين من التراب ، والتراب من الأرض . والأرض ممشاىّ وموطني فأسجد لنفسي ، ولتحت قدمي ، وأسجد لهواى . فوصفه اللّه ذلك في التنزيل ، وحذر خلقه فقال : لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ « 2 » . أي لا تتبعوا الخطوة التي هي خلقتكم . فإنها دعوة إبليس وهي تابعة صاحبها ، وقال : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ، أي نهى النفس الظاهرة عن الهوى . والهوى الخلقة التي خلقت عليها وهي النفس الباطنة وإنما سمى تلك التربة نفسا . لأن عدو اللّه ادعاها ، وإنما سماها هوى ؛ لأنها مهما غلبت على النفس الظاهرة هويت بها إلى أمها ، وأمها الهاوية .
--> ( 1 ) وردت الآية الكريمة في موضعين ؛ هما : الأعراف 12 ، ص 76 ، وهي قوله تعالى أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . ( 2 ) سورة البقرة : آية 168 . ونص الآية الكريمة يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ .