الحكيم الترمذي
48
غور الأمور
وذلك أن إبليس خلق من النار ، وذلك قوله : وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ « 1 » . وقال : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ « 2 » يقول اتخذ الهوى أي نفسه الباطنة إلهه ؛ فجعل بطبعها ما تأمر أو تنهى قد نصبها ربها بين عينيه ؛ ثم شهد عليهم . أنهم كالأنعام ذكر أنهم أضل من الأنعام . رجعنا إلى ما كنا فيه ، فلما صارت النفس الباطنة . هوى إبليس عضو منه . كما ذكرنا أطاعت إبليس فيما كان يأمرها من الفحش والأباطيل والمعاصي . لم يكن للنفس الظاهرة بد من الانقياد لها ، والطواعية فيما تبر فكانت تواتيها « 3 » فيما يكره اللّه ، وتنخضع لها ؛ إذ كان فيها من الخبث مثل ما فيها . وذلك أنها من تحت القدم ، وهذه فيما بين القدمين التي لم يطأها ؛ فأيد اللهّ عبده بما وسع عليه من الحلال ، وأباح لها فأحل وحرّم . فنبذ الحرام ، والفحش ، إلى إبليس فرفعه ، ورمى الحلال الحسن إلى العقل فرفعه ، فأمر بالحرام إبليس فأطاعته النفس الباطنة ، فأشبهت الظاهرة فأرادت أن تطيعها وتنقاد لها ، إذ كانت من جوهرها . وإن كانت الشهوة فيها متحركة . فنبذ اللّه إليها بالحلال فتعلقت الظاهرة . إذ كان الغالب عليها ملكها فلم تنقد للباطنة . فعسكرت عليها الباطنة بجنود إبليس ، وعسكر عليها الملك ، وهاجت الحرب فيما بينها وهي مذبذبة بين ذلك وتلك دار حرب لا سلم أبدا ، والجوارح فيما حولها قراها . فمتى كانت الغلبة للملك اطمأنت النفس الظاهرة ،
--> ( 1 ) سورة القارعة الآيتان : 8 - 9 . ( 2 ) سورة الفرقان : الآية 43 . ونص الآية الكريمة أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا . ( 3 ) ( واتها ) على الأمر مواتاة ، ووتاء : طاوعه .