الحكيم الترمذي

35

غور الأمور

فأمن بالجهاد حق الجهاد ، ثم بين لهم منزلتهم عنده وخصوصيتهم ؛ فقال مبرزا لمنته عليهم ، طالبا لشكره منهم " هو اجتباكم " فأنتم أهل جبايتى « 1 » جبيتكم من بين خلقي . فأنتم عبادي المجتبون ، ثم أبرزهم وألطفهم ، وأظهر لهم العذر ، وبين لهم الحجج فإنه لم يأمرهم ولم يحملهم إلا ما يطيقون فقال : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ « 2 » . ثم نسبت ملتهم إلى ملة أبيكم إبراهيم ، وشهد لهم بالنبوة لإبراهيم مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ أي كأنه أراهم من نفسه أنى بكرامة إلا بالحق بهم الأولاد ، وأحفظ لهم ، وأتعاهدهم . من ذلك قوله : والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم بايمان ألحقنا بهم ذرياتهم « 3 » . ومن قوله : وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً « 4 » أي إنما حفظت كنزهم تحت ذلك الجدار ، وعينت خليلي الخضر بإقامته لسبب صلاح أبيهم ، ثم قال : رحمة من ربك ف إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ « 5 » ثم قال : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ « 6 » .

--> ( 1 ) اجتباه : اختاره واصطفاه لنفسه ، وفي القرآن الكريم وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ يوسف : 6 . ومعنى أهل جبايتى : أي أهل اصطفائى واختياري . ( 2 ) سورة الحج : الآية ذاتها 78 . ( 3 ) سورة الطور : آية 20 . وقراءة حفص لهذه الآية الكريمة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ . ( 4 ) سورة الكهف : آية 82 . جزء من الآية الكريمة وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً . ( 5 ) هاتان جزء من آيتين كريمتين ، فقوله‌رحمة من ربك بعض من آية الكهف السابقة ( 82 ) . وأمافإن رحمتي قريب من المحسنين فربما أراد بذلك قوله تعالى إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الأعراف : آية 56 . ( 6 ) سورة العنكبوت : آية 69 .