الحكيم الترمذي

161

غور الأمور

واحد ، لأن القلب كان في جولان « 1 » وتردد . طالبا لربه ، فلما أدركته الرحمة وجاءه النور والهداية ، سكن القلب عن الجولان . فقيل أمن كما اضطرب في وقت الخوف من شئ ، فلما ذهب ذلك الخوف سكن القلب عن الاضطراب فقيل آمن ، فآمن على قالب العربية أفعل ، فإنما آمن برب منقاد له ، ومطيعه . ونظم هذه المعاني كلها ، فصار مسلما له نفسه عبوده بالانقياد ، فقيل : مؤمن مسلم ، فلزمه الأسمان في وقت واحد ، ثم أمر بالاعتراف ليحرم عرضه ودمه وماله على الخلق ، ويكون اعتراضه بذلك حجة للّه على من سواه إذا انتهكوا هذه الحرمة . فيثبت من أقام الجرمة ، ويعاقب من انتهكها ، ويأخذ له منهم بحقه ، ولو لم يعترف بذلك لم يتم الحجة ، ثم اقتضاه الوفاء بهذين الأسمين جميع عمره ، ثم وضع بين يديه في جميع عمره أمرين ، لا يوجد لهما ثالث . أمر هو يفعل بك ، وأمر أنت تفعله ، فأما الذي يفعله فأحكامه في أحوالك التي يتقلب فيها عز وذل ، وفقر وغنى ، وصحة ومرض ، وأمن وخوف ، ونعمة وشدة ، ورخاء وبلاء ، ومحبوب ومكروه . فاقتضاؤك الوفاء في هذه الأحوال أن يطمئن به قلبك بأفعاله في هذه الأحوال رضا ، كما اطمأن به لسانك ، فإن لم يقدر على ذلك رضا لشهوة فيك للأشياء ومنية لها ، فالصبر لا بد منه وهو ثبات الجوارح على ، مقامك فلا تعصيه . فأما الأمر الذي أمرت أن تفعله فالأمر والنهى ، تأتى بما أمرت من الفرائض وتجتنب المحارم ، فاقتضاؤك الوفاء بهذا الأمر والنهى فتكون قد سلمت نفسك

--> ( 1 ) جولان : اضطراب وعدم استقرار . يقال : جال الأمر في نفسه : تردد . وجال النطاق ونحوه : تحرك واضطرب لسعته . ( والجولان ) : ما تجول به الريح على وجه الأرض من تراب وحصى .