الحكيم الترمذي

160

غور الأمور

قبضته ، فبه يسمعون ، وبه يبصرون ، وبه يبطشون ، وبه يمشون ، وبه يعقلون ، فهذا عبد انفرد له قلبه ، قد غرق في ملك الوحدانية ، وانفرد بإلهه فشغله بنفسه عن ملكه ، وعن ملك ثوابه وعقابه ، وملك دنياه . فأينما نظر فمعه ينظرونه ، وينظرون إليه . لأنه موجود مع الأشياء التي هو ناظر إليها ، فلم تكن للأشياء دونه سلطان على شغله عنه ، لأنه قد أخذه ربه ، فبسلطانه يغلب الأشياء ، ويمتنع من الأشياء أن تشغله . منزلة الشكر والصبر : قال أبو عبد اللّه : سألت رحمك اللّه - عن منزلة الشكر والصبر ، أيهما أعلى درجة ؟ فوجدنا أقوال المتقدمين في ذلك كثيرة . منهم من قدم الشكر ، ومنهم من قدم الصبر ، وكل يرجع إلى شئ من ظاهر الكتاب ، وتواتر الأخبار ، وأنا مبين لك إن شاء اللّه ما حصل عندنا من عمل ، ولا قوة إلا باللّه . نظرنا إلى جوهر الشكر والصبر وإلى اسمهما ، فإن الأسماء دالة على الأشياء ، لأنها إشتقت من تلك الأشياء فوسمت بها . فأما الشكر فهو رؤية العبد منة اللّه عليه في ذلك ، والصبر هو ثبات العبد على مقامه من ربه . فالشكر جوهر الإيمان ، والصبر جوهر الإسلام . وذلك أن العبد اطمأن إلى ربه فسمى مؤمنا ، وسلم نفسه عبدا فسمى مسلما ، وكلاهما في وقت واحد ، وعقد