الحكيم الترمذي

159

غور الأمور

هذا المطلع العجيب ، إلا من خصه اللّه بصفوته ، واصطفاه لنفسه ، وجعل هذا العلم هديته . قال : فشغل المؤمن في دنياه بدنياه وهو ملك من ملكه ، قال الزاهد : شغلني ملك الآخرة عن ملك الدنيا كما شغلك أيها الراغب ملك الدنيا عن ملك الآخرة . وقال الصّديق : شغلني ملكه عن هذين كما شغلكما عن ملكه . قال العارف : شغلني مالك الملك عن ملكه ، كما شغلك أيها الصديق ملكه عن هذين ، فالأول الراغب مشغول بدنياه ، والزاهد مشغول بآخرته والصديق مشغول بملكه ، والعارف مشغول بربه فردا فهو قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : سبق المفردون ؟ قالوا يا رسول اللّه : من المفردون ؟ . قال : الذين اهتذوا في ذكر اللّه . « 1 » الحديث قال أبو عبد اللّه : والمهتذ في « 2 » لغة العرب الذي قد اهتذ عقله فهو في هيئة الحرف « 3 » حتى يخيل إليك أنه يتكلم إليك بالمهاتر من الكلام كأنه لا يعقل ، فالذين اهتذوا في ذكره قد خمدت عقولهم عن استعمالهم بما يستعملهم إليهم في

--> ( 1 ) ورد الحديث الشريف بصيغة أخرى في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى اللّه عنه . قال صلى اللّه عليه وسلم ( سبق المفرّدون ) قالوا : وما المفردون يا رسول اللّه ؟ قال : الذاكرون اللّه تعالى كثيرا والذكرات " . ( 2 ) أصل الكلمة هذى هذيا ، وهذيانا أي تلك بغير معقول . ( 3 ) الحرف من كل شئ : طرفه وجانبه يقال فلان على حرف من أمره : ناحية منه إذا رأى شيئا لا يعجبه عدل عنه .