الحكيم الترمذي
148
غور الأمور
الدنيا من أولها وإلى قلب ذكى ، وإلى فؤاد فارغ ، وصدر خال ، وذهن صافي ، وفهم لطيف وروح ظاهر ، وأركان قوية حتى يبلغ من الاستقصاء بعضا ، وإنما أعنى مستيقصى منتهى العباد . ومبلغهم هيهات هيهات ، كيف يستقصى مالا نهاية له وقال عز وجل - قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي « 1 » الآية ، وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ « 2 » . وصف المنفردين : مسئلة في وصفى المنفردين : سألت عن الرجل ، يعبد اللّه على طلب الثواب والفرار من العقاب ، أفرض هو ؟ فالجواب في ذلك : أن اللّه جل اسمه افترض على عباده الرغبة في ثوابه ، والفرار من عقابه . فدعاهم إلى دار السلام . ثم افترض الإجابة ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ « 3 » وحذرهم العقاب في دار السخة « 4 » ، وافترض الفرار منها فقال وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ « 5 » . وقال : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ « 6 » . واعلم أن اللّه تعالى خلق عبيدا له ثم افترض عليهم أن يكونوا عبيدا كما خلقهم ، فالثواب لهم على ذلك والعقاب على تضييع ذلك .
--> ( 1 ) سورة الكهف / الآية 109 . ( 2 ) سورة لقمان / الآية 27 . ( 3 ) سورة الأنفال / الآية 24 . ( 4 ) السّخة : الطين أي الدار الدنيا . ( 5 ) سور آل عمران / الآية 131 . ( 6 ) سورة التحريم / الآية 6 .