الحكيم الترمذي
149
غور الأمور
فإذا كان يوم اللقاء ففريق في الجنة ، وفريق في السعير ، فأما أهل جنته وعبيد في هيئة الأحرار والملوك ، شأنهم مطردة في جوار الملك المنان بفناء عرشه . وأما أهل ناره فعبيد في هيئة الإباق « 1 » المأخوذين في حال إباقهم ، أبدانهم معذبة حول السخطة في سجن الملك الجبار ، فأنبأهم لماذا خلقهم في تنزيله ، فقال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » . وقال : فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ « 3 » . وقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ « 4 » . فحمد العبودية هو ترك الهوى ، وهو مركب في النفس مستعمل في كل الأمور دنيا ، وآخره ، فصارت العبودية على ضربين : أحل وحرم ، وأمر ونهى ، فانتهى العبد عما نهى وإلى ما أمر ، وباشر ما أحل ، وجانب ما أمر ، ولم يفارق الهوى . فإن أتى ما أمره أتاه مع الهوى ، وإن انتهى عما نهاه ، فلم يملك العباد الذين نفوسهم حية ، وشهواتهم ذكية إلا هذا . وقد قال : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 5 » . فخلقهم وهو الذي ركب
--> ( 1 ) الإباق / الهاربون . ( 2 ) سورة الذاريات / الآية 56 . ( 3 ) سورة العنكبوت / الآية 56 . ( 4 ) سورة البقرة / الآية 21 . ( 5 ) سورة البقرة / الآية 286 .