الحكيم الترمذي
143
غور الأمور
وعن ابن جريح قال : قلت لعطاء : ما معنى نية المؤمن خير من عمله ؟ قال : لأن النية لا يكون فيها رياء فهدرها . قال أبو عبد اللّه : ووجدنا من طريق الاعتبار عندما ميزنا بين النية والعمل ، أن العمل منقطع والنية دائمة ، وتصديقه في حديث ثابت عن أنس : والعمل علانية ، والنية سر . وتصديقه في حديث عطاء ، والعمل في السر مضاعف ، والعمل سعى الأركان إلى اللّه وإليه سعى القلوب إلى اللّه ، والقلب ملك والأركان جنود ، ولا يستوى سعى الملك وسعى جنوده ، والعمل يوضع في الخزائن ، والنية عنده لأنه الذكر الخفي ، والعمل موقوف على نهايته ، والنية لا تحصى نهايتها ، والعمل تحقيق الإيمان وإظهار النية تصديق الإيمان بمنزلة الشجرة . لأن الشجرة خشبة منصوبة ، فبظهور ورقها يكون هي شجرة وليس الورق ، إنما هو زينة الشجرة ، والشجرة من الفرع ، والفرع سكناه من الأرض . وذلك قوله تعالى في كتابه : كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ، فالأصل هو الإيمان الذي في القلب ، والنية هي فرعها في السماء ، والعمل هو الأكل ، تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ، والعمل موكل بها الحفظة ، والنية لم تطلع عليها الحفظة ، والعمل في ديوان الملائكة ، والنية في ديوان الملك ، والعمل الواحد لا يعد ، ونفس ذلك العمل ، ولا ينتظم غيره . وبالنية تنتظم الأعمال ، والعمل ثوابه من درجات الجنة ، والنية ثوابها من منازل القربة ، والعمل أجناس لا يشتبه بعضه بعضا ، ولا يقدر العبد أن يعمل عملا ينتظم جميع الأعمال ، والنية تشتمل على الأشياء ، وذلك إذا ترى بلوغ مرضاته ، ومرضاته جميع الطاعات ، فهو في ذلك الوقت كأنه قد أخذ بعروة الطاعات كلها ،