الحكيم الترمذي

144

غور الأمور

فهو كالعامل لجميع الطاعات . وهذه النية كلها للصادقين من عمال اللّه ، يحتاجون إلى نية في كل أمر لأن قلوبهم مع الأشياء ، فيحتاجون إلى أن تتسوق إلى اللّه عند مبتدأ كل أمر ، وكذلك جاءنا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ( إنما الأعمال بالنيات ) « 1 » ولا عمل لمن لا نية له ، ولا أجر لمن لا حسنة له ، وأصل النية من طريق الإعراب هو النهوض . يقول : فاستوى ، أي نهض ينهض ، فإذا كان القلب في حبس النفس ، فإنه يحتاج إلى النهوض إلى اللّه عند كل أمر وهو الإرادة والقصد إليه ، وإذا تحت « 2 » لأي القلب من حصار النفس ، فصار إلى اللّه وتعلق به وحيابه . فمحال أن يقال : نهض إليه لأنه عنده ، ولا يحتاج إلى نية هو في كل أموره عند ربه بقلبه . فقد سقط عنه هذا النظر ، وهذا عنده محال بعد أن استقام إلى اللّه قلبه عبودة ، وقام بين يديه في درجة القربة ، فهذا دائم له في كل حال . قال أبو عبد اللّه رحمه اللّه - وجدنا الذكر على ضربين ، ذكران ذكر ألهوية بلا كيف فيفرق فيه الدنيا والآخرة والنفس والملكوت وملك الملك فتأخذه البهتة « 3 » ، فهذا ذكر العارفين . وأما ذكر الموحدين فهو أن يذكر من ألهوية الألوهية فقط ، والنفس شهواتها جاثمة على القلب كالفحل المغتلم « 4 » الذي يهدر ويضرب بأنيابه الذي يحثم على

--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه . ( 2 ) تحت : تحرك - لأي : الإبطاء والاحتباس : ويراد به كذلك المشقة والجهد . ( 3 ) البهت : الانقطاع والحيرة ، رأى شيئا فبهت : ينظر نظر المتعجب وفي التنزيل الحكيم فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ البقرة 258 ، أي انقطع وسكت متحيرا عنها . ( 4 ) المغتلم : العظيم .