الحكيم الترمذي

137

غور الأمور

فإذا ظهرت السباخ في أنهارها ، وغلبت عليها ، غلبت الماء وامتزجت به ، فإذا لم يجر الماء في أنهارها تشفت أشجارها ، وتغيرت ألوانها ، وانقبضت وانزوت أوراقها واصفرت وتناثرت ، وسلبت منها الطراوة ، ولم تخرج ثمرتها إلا في كد وشدة . وما أخرجت من بين مر وحامض وحلو لغلبة السباخ عليها وامتزجها بماء الرحمة ، فإذا دام ذلك ، وطال تكدرت المياه كلها وغارت وتلاشت ، وذاب سقناها من ذلك الشين فسدت عروقها وغفنت وتيبست أشجارها أصلا وفرعها ، فلم تثمر ولم تخرج ، ولم تنور فحينئذ يغضب الجليل ؛ فيحظر عليها ويسد أفواه أنهار القلب . فلم يجر إلى المدينة فخرجت المدينة ومن فيها وماتت ثم سلب ماء الرحمة من القلب وحرم وتيبس القلب وقسا فمات فخرب القلب ، وخربت النفس ويبست الأشجار وصار كما قال اللّه تعالى وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً « 1 » . قال : وإذا مات القلب وماتت النفس ويبست الأشجار أثمرت الشوك وهو الكفر والشرك ، وذلك أن السّبخ هي أصل النفس وجوهرها وخلقتها وهي الهوى ، والهوى من الكفر ، وذلك أنه من الهاوية ، فإذا فرغ ماء الرحمة من مستقره ، وسلب أبدل مكانه فصارت الأنهار تجرى بمياه الكفر ، وصار سقياها من ماءالكفر ، فإذا جرت المياه من الماء الكفر ، أثمرت ثمرات الكفر والشرك ، كما قال اللّه تعالى : وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً « 2 » . فالبلد الطيب النفس إذا كانت قد غلب عليها ماء الرحمة وجرى في أنهارها

--> ( 1 ) سورة المائدة : آية 13 . ( 2 ) سورة الأعراف : آية 58 .